273

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي ، قال : ركبت معم القاضي أبي عمر ، في يوم موكب ، في طياره ، إلى دار المقتدر . فصعد هو وابنه ، وجلست أنا والجماعة ، في الطيار ، ننتظر رجوعه . فرأيت جماعة من الخدم ، وقد وقفوا له ، يشتمونه بأقبح لفظ ، ويقولون له : يا ظالم ، يا مرتشي ، وهو مطرق إلى الأرض ، يمشي إلى أن دخل الدار . فهالني إقدامهم عليه ، وقبح الصورة ، وقلت في نفسي : إن لم يكن هذا الفساد برأي الخليفة ، وإلا فيجب أن يشتكي إليه منهم الساعة ، حتى يؤدبوا . فلما عاد ، خاطبه أولئك الخدم ، بأقبح من الخطاب الأول ، فعلمت أنه ما شكاهم ، ولم أقدم على مخاطبته في ذلك ، لعظم هيبته ، وافترقنا . فلما كان عشي ذلك اليوم ، عدت إليه ، وهو متخل ، وقد استدعى بعض أصحابه ، ودفع إليهم تخوت ثياب فاخرة ، وطيبا ، وأشياء قيمتها خمسمائة دينار ، وأمره بحملها إلى خادم كان رئيس أولئك الخدم الذين سبوه غدوة . وقال له : إقره السلام ، وقل له كنت راسلتني في أن أحكم لفلان بشيء ، لم تجز إجابتك إليه ، لأنه لم يكن مذهبي ، ولا مما يجوز عندي في الحكم ، ولو عرضت على السيف لم أجب إلى محال في حكم ، فرددتك . فكان منك بالأمس ما لم يرض الله به ، ولا قدح في شيء من أمرنا ، ولكني استدللت به على عتبك ، ووقع لي أن الرجل كان وعدك بشيء ساءك فوته ، وقد أنفذت إليك هذا - وضع الهدية بين يديه - وأحب أن تقبله ، وتعذرني . قال : فاغتظت منه ، وقلت في نفسي : يؤدي جزية ، ويعطي مصانعة عن عرضه ، أي رأي هذا ؟ فمضى الرسول ، وافترقنا ، ما بدأني بشيء ، ولا بدأته به . فلما كان في الموكب الثاني ، صحبته ، فصعد من الطيار ، وجلست على رسمي ، فإذا بأولئك الخدم ، وعدة أكثر منهم ، وقد وقفوا له سماطين ، يقولون : يا عفيف ، يا نظيف ، يا مأمون ، يا ثقة ، يا جمال الإسلام ، يا تأريخ القضاة ، ويدعون له ، ويشكرونه ، حتى صعد من الطيار ، وخدموه أحسن خدمة ، وهو ساكت على رسمه ، إلى أن دخل الدار ، ثم عند خروجه إلى أول ما نزل طياره . فتحيرت مما رأيتهم عليه من التضاد في الدفعتين ، مع قرب العهد . فلما استقررنا في الطيار ، قال لنا أبو عمر : كأني بكم أنكرتم ما جرى منهم في ذاك الموكب ، قلتم : لو شكاهم إلى الخليفة ، فأمر بتأديبهم ، أليس كذا وقع لكم ؟ قلنا : بلى . قال : كيف رأيتم ما شاهدتم اليوم ؟ قلنا : أحسن منظر . قال : أنه لم يذهب علي ما فكرتم فيه ، ولكني علمت أنه لو شكوتهم ، كنت بين أمور : إن لم يقع إنكار ، فتنخرق هيبتي ، ويبطل جاهي ، ويطمع كل أحد في ، ويجر علي ذلك أمورا كبارا . أو وقع إنكار ضعيف ، كان ذلك إغراء لهم . أو وقع إنكار قوي ، صاروا كلهم أعدائي ، وتنقصوني ، وعاداني بعداوتهم من فوقهم من الخدم ، ولهم بالسلطان خلوات ليست لي ، فيولدون علي عنده من الحكايات والسعايات ، ما يفسد علي رأيه في مديدة . وإني علمت أنهم ما قصدوني بهذا لشيء بيني وبينهم ، وإنما هي طاعة منهم ، للخادم الذي هو رئيس عليهم ، وأن ما حمله على ذلك ، ما كان طمع في أخذه على قضاء الحاجة التي سألني فيها فرددته . وعلمت أني إذا عوضته واستصلحته ، صلح لي جميع هؤلاء . فعلمت ما رأيت ، فانصح هؤلاء ، وجميع الخدم ، وأمنت عداوتهم ، وعادوا يكذبون أنفسهم فيما رموني به ذلك اليوم ، ويخاطبوني بضده ، بحضرة أكثر من كانوا خاطبوني ذلك اليوم بالقبيح بحضرته ، وصاروا لي خدما ، وزاد ذلك في محلي ، أن يرى أعدائي ، خدم الخليفة ، يخدمونني ، ويدعون لي ، ولم يكن الخليفة ، لو بلغ غاية الإنكار عليهم ، يأمرهم بهذا من خدمتي . وما علم الغرباء ، لأي سبب رضوا عني ، وفعلوا بي هذا ، ويجوز أن يظن أعدائي ، أو يرجف أوليائي ، أن الخليفة أمرهم بهذا ، وأنكر عليهم ما جرى أولا ، فتلافوني بهذا الفعل ، وقد بلغت أكثر ما أردت ، ولم أبلغ الغاية ، ولا عاديت أحدا . واعلم يا أبا الحسن ، إن أشياء قليلها كثير ، منها إيثار العداوة ، - وذكر أشياء لم أحفظها - فأي الرأيين الآن عندك أصوب ؟ فقلت : رأي القاضي ، جمل الله الدنيا ببقائه ، وفعل به وصنع . ؟

Page 300