Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Editor
مصطفى حسين عبد الهادي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1424هـ-2004م
Publisher Location
بيروت / لبنان
حدثني أبي ، عن أبي محمد ، عبد الله بن حمدون ، قال : قال لي المعتضد ، يوما ، وقد قدم إليه عشاء على النبيذ : لقمني . قال : وكان الذي قدم إليه فراريج ، ودراريج ، فلقمه من صدر فروج . فقال : لا ، لقمني من فخذه . فلقمته لقما . ثم قال : هات من الدراج ، فلقمته من أفخاذها . فقال : ويلك ، هو ذا تتنادر علي ؟ هات من صدورها . فقلت : يا مولاي ، ركبت القياس ، فضحك . فقلت له : إلى كم أضحكك ، ولا تضحكني ؟ قال : شل المطرح ، وخذ ما تحته . قال : فشلته ، فإذا بدينار واحد . فقلت : آخذه هذا ؟ فقلت له : بالله ، هوذا تتنادر أنت الساعة علي ؟ خليفة يجيز نديمه بدينار واحد ؟ فقال : ويلك ، لا أجد لك في بيت المال حقا أكثر من هذا ، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئا ، ولكن هوذا ، أحتال لك بحيلة ، تأخذ فيها خمسة آلاف دينار . فقبلت يده . فقال : إذا كان غدا ، وجاء القاسم فهو ذا أسارك حين تقع عيني عليه ، سرارا طويلا ، ثم ألتفت إليه كالمغضب ، وانظر أنت إليه من خلال ذلك ، كالمخالس لي ، نظر المترثي . فإذا انقطع السرار ، فستخرج ، ولا تبرح من الدهليز . فإذا خرجت ، خاطبك بجميل ، وأخذك إلى دعوته ، وسألك عن حالك ، فاشك الفقر والخلة ، وقلة حظك مني ، وثقل ظهرك بالدين والعيال ، وخذ ما يعطيك ، واطلب كل ما تقع عينك عليه ، فإنه لا يمنعك ، حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار . فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بيننا ، فاصدقه ، وإياك أن تكذبه ، وعرفه أن ذلك ، حيلة مني عليه ، حتى وصل إليك هذا ، وحدثه بالحديث على شرحه ، وليكن إخبارك إياه ، بعد امتناع شديد ، وإحلاف منه بالطلاق والعتاق أن تصدقه ، وبعد أن تخرج من داره ، كل ما يعطيك إياه . فلما كان من غد ، حضر القاسم ، فحين رآه ، بدأ يساررني ، وجرت القصة ، على ما واضعني عليه ، فخرجت ، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني . فقال لي : يا أبا محمد ، ما هذا الجفاء ؟ لا تجيئني ، ولا تزورني ، ولا تسألني حاجة ، فأقضيها لك ، فدعوت له . فقال : ما يقنعني إلا أن تزورني اليوم ، ونتفرج . فقلت : أنا خادم الوزير . فأخذني إلى طياره ، وجعل يسألني عن حالي ، وأخباري ، فاشكو إليه الخلة ، والإضافة ، والدين ، وجفاء الخليفة ، وإمساك يده ، فيتوجع ، ويقول : يا هذا ، مالي مالك ، ولن يضيق عليك ، ما اتسع علي ولا تتجاوزك نعمة تخلصت إلي ، أو يتخطاك خط نازل بفنائي ، ولو عرفتني لعاونتك ، وأزلت هذا عنك . فشكرته وبلغنا إلى داره ، فصعد ، ولم ينظر في شيء ، وقال : هذا يوم أحتاج أن اختص فيه بالسرور بأبي محمد ، فلا يقطعني عنه أحد . فأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال ، وخلا بي في دار الخلوة ، وجعل يحادثني ويبسطني ، وقدمت الفاكهة ، فجعل يلقمني بيده ، وجاء الطعام ، فكانت فكانت هذه سبيله ، وهو يستزيدني . فلما جلس للشرب ، وقع لي بثلاثة آلاف دينار مالا ، فأخذتها في الوقت . وأحضرني ثيابا ، وطيبا ، ومركوبا ، فأخذت ذلك . وكانت بين يدي صينية فضة ، فيها مغسل فضة ، وخرداذي بلور ، وكوز وقدح بلور ، فأمر بحمله إلى طياري . وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا ، له قيمة وافرة ، طلبته منه . وحمل إلي فرشا نفيسا ، وقال : هذا للبنات . فلما تفوض المجلس ، خلا بي ، وقال : يا أبا محمد ، أنت عالم بحقوقي عليك ، مودتي لك . فقلت : أنا خادم الوزير . فقال أريد أن أسألك عن شيء ، وتحلف لي أنك تصدقني عنه . فقلت : السمع والطاعة ، فأحلفني بالله ، وبالطلاق ، والعتاق ، على الصدق . ثم قال لي : بأي شيء ساررك الخليفة اليوم في أمري ؟ فصدقته عن كل ما جرى ، حرفا بحرف . فقال : فرجت عني ، وأن يكون هذا كهذا ، مع سلامة نيته لي ، أسهل علي . فشكرته ، وودعته ، وانصرف إلى بيتي . فلما كان من الغد ، باكرت المعتضد ، فقال : هات حديثك . فسقته إلى آخره . فقال : احتفظ بالدنانير ، ولا يقع لك ، أنك تعامل بمثل هذا بسرعة . وحدثني أبو السري ، محمد بن عمر التازي البغدادي ، ويعرف بابن عتاب السقطي ، قال : حدثني أبو الطيب واثق بن رافع ، مولى ابن أبي الشوارب ، قال : حدثني أبو محمد عبد الله بن حمدون ، بهذا الحديث ، فأورده بغير هذه الألفاظ ، والمعنى واحد . إلا أنه ليس في حكاية واثق ، العشاء بالفراريج والدراريج ، ولا أن المعتضد وهب له دينارا . وأول حكاية واثق عن ابن حمدون ، قال : شكوت إلى المعتضد ، ديني وإضاقتي ، فقال : أما مالي فلا أطمع لك فيه ، ولكن أعمل لك حيلة ، وذكر الحكاية . |
Page 228