Mukhtaṣar Tafsīr Ibn Kathīr
مختصر تفسير ابن كثير
Publisher
دار القرآن الكريم
Edition
السابعة
Publication Year
1402 AH
Publisher Location
بيروت
•
Regions
Syria
وروي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ الذاب يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ أَبَدًا، وقد يستدل لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ يَا رسول الله: إن عمك أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعْتَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نار، ولوال أن لكان في الدرك الأسفل مِنَ النَّارِ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِأَبِي طَالِبٍ مِنْ دُونِ الْكَفَّارِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يكن له حسنة» (أخرجه مسلم من حديث أنَس) وقال الحن وقتادة: ﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي الْجَنَّةَ، نسأل الله رضاه والجنة وروى ابن أبي حاتم عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ، قُلْتُ: يَا أَبَا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أَنَّكَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ ألف ألف حسنة»، فقال أبو هريرة: والله بل سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ»، ثُمَّ تلا هذه الآية: ﴿وما مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وقوله تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالْحَالُ يَوْمَ القيامة، حين يَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ ﵈، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ الآية. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ عليَّ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ "قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾؟ فقال: «حسبك الآن» فإذا عيناه تذرفان.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أَيْ لَوِ انْشَقَّتْ وَبَلَعَتْهُمْ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ أَهْوَالِ الْمَوْقِفِ وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ وَالتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حديثا﴾ إخبار عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوهُ وَلَا يكتمون منه شيئًا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ له: سَمِعْتُ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ - يَعْنِي إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَنَّهُمْ قَالُواْ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ، فَقَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حديثًا﴾ (أخرجه ابن جرير) وقال عبد الرزاق عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَشْيَاءٌ تَخْتَلِفُ عليَّ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ مَا هُوَ، أَشُكُّ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَيْسَ هُوَ بِالشَّكِّ، وَلَكِنِ اخْتِلَافٌ قَالَ: فَهَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فَقَدْ كَتَمُوا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ
1 / 392