303

Mukhtaṣar Tafsīr Ibn Kathīr

مختصر تفسير ابن كثير

Publisher

دار القرآن الكريم

Edition

السابعة

Publication Year

1402 AH

Publisher Location

بيروت

الحالات، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا به شيئًا من مخلوقاته، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذلك؟ أن لا يُعَذِّبَهُمْ» ثُمَّ أَوْصَى بالإِحسان إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُمَا سَبَبًا لِخُرُوجِكَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ عِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اشكر لِي ولوالديك﴾، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ثم عطف على الإحسان إليهما بالإحسان إِلَى الْقَرَابَاتِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ صدقة وصلة» (أخرجه النسائي حديث سلمان بن عامر).
ثم قال تعالى: ﴿واليتامى﴾ وذلك لأنهم فَقَدُوا مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ وَمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْحُنُوِّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وَهُمُ الْمَحَاوِيجُ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ الذين لاَ يَجِدُونَ من يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بِمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُمْ وَتَزُولُ بِهِ ضَرُورَتُهُمْ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الجنب﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قُرَابَةٌ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ومجاهد، وقال نَوْفٍ الْبُكَالِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني الجار الْمُسْلِمَ ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يَعْنِي الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ (رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يَعْنِي: الرَّفِيقَ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بالوصايا بالجار فلنذكر منها ما تيسر وبالله المستعان.
(الحديث الأول) قال الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سيورثه» أخرجاه في الصحيحين.
(الحدث الثاني): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (رواه أحمد والترمذي)
(الحدث الثالث): قال الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا»؟ قَالُوا: حرام حرمه الله ورسوله وهو حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بحليلة جاره»، قال: «ما تقولون في السرقة»؟ قالو: حرمها الله ورسوله فهي حرام إلى يوم القيامة، قَالَ: «لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ» (تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ)
(الحديث الرابع): قال أبو بكر البزار عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ، جَارٌ لَهُ حَقٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَدْنَى الجيران حقًا. جار لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ وَهُوَ أفضل الجيران حقًا، فأما الجار الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَجَارٌ مُشْرِكٌ لَا رحم له، له حق الجوار، وأما الجار الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَجَارٌ مُسْلِمٌ لَهُ حَقُّ الْإِسْلَامِ، وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ فَجَارٌ مُسْلِمٌ ذُو رَحِمٍ لَهُ حَقُّ الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم».

1 / 388