Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
Publisher
دار السلام للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٦هـ
Publisher Location
الرياض
Genres
•General Exegesis
Regions
•Saudi Arabia
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بِالتَّاءِ، (ربَّك) بِنَصْبِ الْبَاءِ وَهُوَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، أَيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَدْعُوَ وتسأل ربك، وقرأ الآخرون (يَسْتَطِيعُ) بِالْيَاءِ وَ(ربُّك) بِرَفْعِ الباء، ولم يقولوه شاكين بقدرة اللَّهِ ﷿ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ أَمْ لَا؟ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْهَضَ مَعِي؟ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَقِيلَ: يَسْتَطِيعُ بِمَعْنَى يُطِيعُ، يُقَالُ: أطاع واستطاع بمعنى واحد، كقوله: أجاب واستجاب، معناه: هل يعطيك رَبُّكَ بِإِجَابَةِ سُؤَالِكَ؟ وَفِي الْآثَارِ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَطَاعَهُ اللَّهُ، وَأَجْرَى بَعْضُهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ، فَقَالُوا: غَلَطَ الْقَوْمُ، وَقَالُوهُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الْمَعْرِفَةِ وَكَانُوا بَشَرًا، فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى ﵇ عِنْدَ الْغَلَطِ اسْتِعْظَامًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] أَيْ: لَا تَشُكُّوا فِي قُدْرَتِهِ، ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] الْمَائِدَةُ: الْخِوَانُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ، وَهِيَ فَاعِلَةٌ مِنْ: مادَهُ يُمِيدُهُ إِذَا أَعْطَاهُ وَأَطْعَمَهُ، كَقَوْلِهِ مَارَهُ يميره، وامتار افْتَعَلَ مِنْهُ، وَالْمَائِدَةُ هِيَ الْمُطْعِمَةُ لِلْآكِلِينَ الطَّعَامَ، وَسُمِّيَ الطَّعَامُ أَيْضًا مَائِدَةً عَلَى الْجَوَازِ، لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ عَلَى الْمَائِدَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: سُمِّيَتْ مَائِدَةً لِأَنَّهَا تَمِيدُ بِالْآكِلِينَ، أَيْ: تَمِيلُ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: فاعلة بمعنى المفعولة، يعني ميد بِالْآكِلِينَ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي: مرضية، ﴿قَالَ﴾ [المائدة: ١١٢] عِيسَى ﵇ مُجِيبًا لَهُمْ: ": ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] فَلَا تَشُكُّوا فِي قُدْرَتِهِ، وَقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَسْأَلُوهُ شَيْئًا لَمْ يَسْأَلْهُ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ، فَنَهَاهُمْ عَنِ اقْتِرَاحِ الْآيَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ.
[١١٣] ﴿قَالُوا نُرِيدُ﴾ [المائدة: ١١٣] أَيْ: إِنَّمَا سَأَلْنَا لِأَنَّا نُرِيدُ، ﴿أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣] أَكْلَ تَبَرُّكٍ لَا أَكْلَ حَاجَةٍ فنستيقن قدرته، ﴿وَتَطْمَئِنَّ﴾ [المائدة: ١١٣] وَتَسْكُنَ، ﴿قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣] بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أَيْ: نَزْدَادُ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى ﵇ أَمَرَهُمْ أَنْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا فإذا فطروا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُمْ، فَفَعَلُوا وَسَأَلُوا الْمَائِدَةَ، وَقَالُوا: وَنَعْلَمُ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا فِي قَوْلِكَ، إِنَّا إِذَا صُمْنَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَانَا، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَكَ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَقِيلَ: وَنَكُونُ مِنَ الشَّاهِدَيْنَ لَكَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رجعنا إليهم.
[قوله تعالى قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ] عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا. . . .
[١١٤] ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٤] عِنْدَ ذَلِكَ، ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤] أَيْ: عَائِدَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْنَا حُجَّةً وَبُرْهَانًا، وَالْعِيدُ: يَوْمُ السُّرُورِ، سُمِّيَ بِهِ لِلْعَوْدِ مِنَ التَّرَحِ إِلَى الْفَرَحِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا اعْتَدْتَهُ وَيَعُودُ إِلَيْكَ، وَسُمِّيَ يَوْمُ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى عِيدًا لِأَنَّهُمَا يَعُودَانِ في كُلَّ سَنَةٍ، قَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ نَتَّخِذُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا، أَيْ: نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ: نُصَلِّي فِيهِ، قَوْلُهُ (لِأَوَّلِنَا) أَيْ: لِأَهْلِ زَمَانِنَا، وَآخِرِنَا أَيْ: لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَأْكُلُ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أكل منها أولهم، ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤] دَلَالَةً وَحُجَّةً، ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤]
[١١٥] ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٥] تَعَالَى مُجِيبًا لِعِيسَى ﵇، ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥] يَعْنِي الْمَائِدَةَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَّةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ (مُنَزِّلُهَا) بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّاتٍ وَالتَّفْعِيلُ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرِيرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ لِقَوْلِهِ أَنْزِلْ عَلَيْنَا، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥] أَيْ: بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾ [المائدة: ١١٥] أَيْ: جِنْسَ عَذَابٍ، ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] يَعْنِي: عَالَمِي زَمَانِهِ، فَجَحَدَ الْقَوْمُ وَكَفَرُوا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةَ فمُسخوا قردة وخنازير.
[١١٦] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ﴾ [المائدة: ١١٦]
1 / 251