241

Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ

Publisher Location

الرياض

تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] سِرْتُمْ وَسَافَرْتُمْ، ﴿فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَأَوْصَيْتُمْ إِلَيْهِمَا وَدَفَعْتُمْ إِلَيْهِمَا مَالَكُمْ فاتهمتهما بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَادَّعَوْا عَلَيْهِمَا خِيَانَةً فالحكم فيه أنْ ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ: تَسْتَوْقِفُونَهُمَا، ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَ(مِنْ) صِلَةٌ يُرِيدُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَيَجْتَنِبُونَ فِيهِ الْحَلِفَ الكاذب، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ أَهْلِ دِينِهِمَا وَمِلَّتِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَا يباليان بصلاة العصر، ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦] يحلفان، ﴿بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ: شَكَكْتُمْ وَوَقَعَتْ لَكُمُ الرِّيبَةُ فِي قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَصِدْقِهِمَا، أَيْ: فِي قَوْلِ اللَّذَيْنِ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا، ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ: لَا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبِينَ عَلَى عِوَضٍ نَأْخُذُهُ أَوْ مَالٍ نَذْهَبُ بِهِ أَوْ حَقٍّ نَجْحَدُهُ، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦] وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرَابَةٍ مِنَّا، ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا وَنَهَى عَنْ كِتْمَانِهَا، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (شَهَادَةً)، بِتَنْوِينٍ، (اللَّه) ممدود، وجعل الاستفهام عوضا من حَرْفِ الْقَسَمِ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي جعفر (شَهَادَةً) منونة (اللَّهِ) بِقَطْعِ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ عَلَى ابْتِدَاءِ الْيَمِينِ، أَيْ: وَاللَّهِ، ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ: إِنْ كَتَمْنَاهَا كُنَّا مِنَ الآثمين.
[١٠٧] ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧] أَيِ: اطُّلِعَ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، وَأَصْلُ الْعُثُورِ: الْوُقُوعُ عَلَى الشَّيْءِ، ﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] يعني: الوصيين ﴿اسْتَحَقَّا﴾ [المائدة: ١٠٧] استوجبا، ﴿إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة، ﴿فَآخَرَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧] مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] يَعْنِي: مَقَامَ الْوَصِيَّيْنِ، ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ [المائدة: ١٠٧] بضم التاء على المجهول، هذا قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، يَعْنِي: الَّذِينَ اسْتَحَقَّ، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ [المائدة: ١٠٧] أَيْ: فِيهِمْ وَلِأَجْلِهِمُ الْإِثْمَ وَهُمْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ اسْتَحَقَّ الْحَالِفَانِ بِسَبَبِهِمُ الْإِثْمَ، وَ(عَلَى) بِمَعْنَى فِي، كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقرأ حفص ﴿اسْتَحَقَّ﴾ [المائدة: ١٠٧] بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، أَيْ: حَقٌّ وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِثْمُ، يُقَالُ: حَقَّ وَاسْتَحَقَّ بمعنى واحد، ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧] نَعْتٌ لَلْآخَرَانِ، أَيْ: فَآخَرَانِ الْأَوْلَيَانِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ وَ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧] مَعْرِفَةٌ وَالْآخَرَانِ نَكِرَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا وصف الآخران فَقَالَ (مِنَ الَّذِينَ) صَارَ كَالْمَعْرِفَةِ في المعنى وَ(الْأَوْلَيَانِ) تَثْنِيَةُ الأَولى، والأَولى هُوَ الْأَقْرَبُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ (الأَوْلَيْنَ) بِالْجَمْعِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ أَيْضًا أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِذَا ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الْحَالِفِينَ يَقُومُ اثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] يَعْنِي: يَمِينَنَا أَحَقُّ مِنْ يَمِينِهِمَا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٦] وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَيْمَانُ، فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَيْ: أقسم بالله، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ [المائدة: ١٠٧] فِي أَيْمَانِنَا وَقَوْلِنَا أَنَّ شَهَادَتَنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] وَالْوَصِيُّ إِذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَقَالَ: إِنَّهُ أَوْصَى لِي بِهِ حَلَفَ الْوَارِثُ إِذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى رَجُلٌ سِلْعَةً فِي يَدِ رَجُلٍ فَاعْتَرَفَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْمُدَّعِي، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لم يبعها منه.
[١٠٨] ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨] ذَلِكَ الَّذِي حَكَمْنَا بِهِ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ أَجْدَرُ وَأَحْرَى أَنْ يَأْتِيَ الْوَصِيَّانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَسَائِرُ النَّاسِ أَمْثَالُهُمْ، أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَا كَانَتْ، ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَخَافُوا رَدَّ الْيَمِينِ بَعْدَ يَمِينِهِمْ عَلَى الْمُدَّعِي، فَيَحْلِفُوا عَلَى خِيَانَتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فَيُفْتَضَحُوا وَيَغْرَمُوا فَلَا يَحْلِفُونَ كَاذِبِينَ إِذَا خَافُوا هَذَا الْحُكْمَ،

1 / 249