296

Al-Muḥarrar al-Wajīz fī Tafsīr al-Kitāb al-ʿAzīz

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

Editor

عبد السلام عبد الشافي محمد

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الاولى

Publication Year

1413هـ- 1993م

Publisher Location

لبنان

هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم والكلام عند سيبويه بمعنى تنبه إلى أمر الذين ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين وقصة هؤلاء فيما قال الضحاك هي أنهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله ^ وقاتلوا في سبيل الله ^ البقرة 190 244 الآية وحكى قوم من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء فخرجوا من ديارهم فرارا منه فأماتهم الله فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطا حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل النبي عليه السلام فدعا الله فأحياهم له وقال السدي هم أمة كانت قبل واسط في قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون فهربوا منه وهم بضعة وثلاثون ألفا

في حديث طويل ففيهم نزلت الآية

وقال إنهم فروا من الطاعون الحسن وعمرو بن دينار

وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى

وحكى فيهم مجاهد أنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون

لكن سحنة الموت على وجوههم

ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم وروى ابن جريج عن ابن عباس أنهم كانوا من بني إسرائيل وأنهم كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف وأنهم أميتوا ثم أحيوا وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم فأمرهم الله بالجهاد ثانية فذلك قوله ^ وقاتلوا في سبيل الله ^ البقرة 190 244

قال القاضي أبو محمد وهذا القصص كله لين الأسانيد وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد

هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف الآية ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها

واختلف الناس في لفظ ^ ألوف ^

فقال الجمهور هي جمع ألف

وقال بعضهم كانوا ثمانين الفا

وقال ابن عباس كانوا اربعين ألفا وقيل كانوا ثلاثين ألفا

وهذا كله يجري مع ^ ألوف ^ إذ هو جمع الكثير وقال ابن عباس أيضا كانوا ثمانية آلاف وقال أيضا أربعة آلاف وهذا يضعفه لفظ ^ ألوف ^ لأنه جمع الكثير

وقال ابن زيد في لفظ ^ ألوف ^ إنما معناها وهم مؤتلفون أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم

إنما كانوا مؤتلفين فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم

وقوله تعالى ^ فقال لهم الله موتوا ^ الآية إنما هي مبالغة في العبارة عن فعله بهم

كأن ذلك الذي نزل لهم فعل من قيل له مت فمات وحكي أن ملكين صاحا بهم موتوا فماتوا

فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين

وهذا الموت ظاهر الآية وما روي في قصصها أنه موت حقيقي فارقت فيه الأرواح الأجساد وإذا كان ذلك فليس بموت آجالهم بل جعله الله في هؤلاء كمرض حادث مما يحدث على البشر

وقوله تعالى ^ إن الله لذو فضل على الناس ^ الآية تنبيه على فضل الله على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد وأمرهم بأن لا يجعلوا الحول والقوة إلا له حسبما أمر جميع العالم بذلك فلم يشكروا نعمته في جميع هذا بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم

وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي فيكون منهم الجري إلى امتثالها لا طلب الخروج عنها وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل الشاكر قوله عز وجل

Page 328