317

Al-Lāmiʿ al-ʿAzīzī sharḥ Dīwān al-Mutanabbī

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

يقول: هو أكبر من أن يرى شيئًا مكروهًا تقذى به عينيه، ولكنه إذا رأته خلة الإنسان: أي فقره وحاجته فرت الخلة منه وبعدت.
فكأنه أراد أن يزيد على ما في البيت؛ لأن الشاعر. قال: رآى خلتي فكانت في عينيه كالقذى حتى أزلها عني: أي لم يزل يتألم بها حتى أزالها، كما يتألم من تسقط في عينه القذاة.
وهو يقول: هو أكبر من أن يرى شيئًا يؤلم عينيه، فهو يزيل خلة قاصده قبل أن يراه ويقذى هو بها.
جزى الله عنّي سيف الدولة هاشمٍ ... فإنّ نداه الغمر سيفي ودولتي
يقول: قد أصبح جوده لي سيفًا أصول به على حوادث الدهر، ودولتي حسنت معها. فجزاه الله عني في إحسانه علي وإسدائه النعم إلي. والغمر: الكثير.
وأحدث بنو كلاب حدثًا بنواحي بالس فسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليال بين ماءين يعرفان بالغبارات والخرارات من جبل النسر فأوقع بهم ليلًا فقتل منهم وملك الحريم، فأبقى وأحسن إلى الحرم فقال أبو الطيب بعد رجوعه في جمادي الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة:
بغيرك راعيًا عبث الذّئاب ... وغيرك صارمًا ثلم الضّراب
العبث: الولوع بالشيء من غير معنى. وراعيًا: نصب على الحال من الضمير في قوله: بغيرك وقيل على التمييز: والراعي: الحافظ، وسمى الأمير راعيًا، لحفظه الناس. وغيرك: مفعول مقدم، نصبه ثلم وصارمًا نعت له، وقيل: المفعول صارما وغير نصب على الحال، فيكون التقدير: وثلم الضراب صارمًا غيرك، فلما تقدم نعت النكرة عليها انتصب على الحال.
يقول: مثلك لا يعبث به أحد في ممالكه، وإنما يعبث بغيرك من الملوك، الذين لا يقدرون على ضبط رعيتهم وحفظ نواحيهم.
وجعل الذئاب والراعي مثلا، فشبه بني كلاب حين عدوا عليه بالذئاب إذا تعرضت للراعي وحاولت الاختلاس من غنمه، كذلك إذا كسر الضراب السيوف، فإنما يكسر ما عداك منها، ولا يعمل فيك مع كونك سيفًا: أي أنك لا تمل من الحروب ولا يؤثر فيك مداومة الضرب.
وقيل: أراد نوائب الدهر وكيد الأعداء لا يعمل فيك. فكأنه قسم الناس ثلاثة أقسام: راع، وهو سيف الدولة وسائر الملوك، وذئاب: وهم بنو كلاب وغيرهم من الصعاليك وأهل الفساد، وغنم: وهم عامة الناس.
وتملك أنفس الثّقلين طرًّا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب؟!
كلاب: قبيلة يقول: كيف تقدر بنو كلاب أن يحوزوا أنفسهم ويحصنوها بالفرار منك؟ وأنت تملك أرواح الثقلين!
وما تركوك معصيةً ولكن ... يعاف الورد والموت الشّراب
يعاف: أي يكره: والورد: الورود.
يقول: لم يفارقك هؤلاء قصدًا منهم إلى معصيتك، ولكن خافوا سطوتك وقتلك؛ لأن الشراب إذا كان الموت، كره الورود عليه، فلا لوم عليهم في ذلك.
طلبتهم على الأمواه حتّى ... تخوّف أن تفتّشه السّحاب
يقول: لم يبق ماء في المفازة إلا طلبتهم عليه، حتى ظن السحاب أنك ترقى إله وتطلبهم فيه! وإنما ذكر السحاب لأنه يحتمل الماء، فجعله من جملة الأماكن التي تضمن المياه، وهذا مبالغة عظيمة.
فبتّ لياليًا لا نوم فيها ... تخبّ بك المسوّمة العراب
تخب: من الخبب، وهو أرفع السير. والمسومة: الخيل المعلمة.
يقول: إنك لم تنم ليالي تسري في طلبهم، تسرع بكم خيل عراب.
يهزّ الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب
شبه سير الجيش عن يمينه ويساره واهتزازه، بجناحي عقاب في طيرانها. وقيل: العقاب: ملك الطير، فشبه سيف الدولة بالعقاب؛ لكونه ملكًا، إلا أنه شبهه به في حال ما يكون في قلب العسكر والعسكر حوله يضطرب ويتحرك يمنة ويسرة، وجعل أصحاب اليمين أحد جناحيه، وأصحاب الشمال جناحه الآخر، وجعله في الوسط، كالعقاب التي نفضت جناحيها.
وتسأل عنهم الفلوات حتّى ... أجابك بعضها وهم الجواب
يقول: ما زلت تبحث عنهم فلاة فلاة، حتى وجدتهم في بعض الفلوات، فكأنك كنت تسأل عنهم الفلوات التي كانوا فيها، فصاروا كالجواب، لأنك أصبتهم.
فقاتل عن حريمهم وفرّوا ... ندى كفّيك والنّسب القراب
حريم الشيء: حقوقه، وما يحرم إضاعته من الأهل والنساء. والقراب: أبلغ من القريب. والندى: فاعل قاتل. والنسب: معطوف عليه.

1 / 317