316

Al-Lāmiʿ al-ʿAzīzī sharḥ Dīwān al-Mutanabbī

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

يقول: إذا رام مرامًا بعيدًا سهل عليه الوصول إليه إذا دخل الحرب والتثم بغبار خيله، وإن كان بعيدا على من سواه.
تدبّر شرق الأرض والغرب كفّه ... وليس لها وقتًا عن الجود شاغل
روى: وقتًا نصبًا على الظرف. وروى: وقت فيكون اسم ليس وشاغل صفته.
يقول: إن كفه تدبر شرق الأرض وغربها، ولا يشغلها عن الجود شاغل وقتًا يعني أنه مع شغله بتدبر الأرض، لا يشتغل عن الجود ساعة واحدة، وعلى الرفع: أنه يملك الأرض، وليس وقت يشغله عن الجود.
يتّبغ هرّاب الرّجال مراده ... فمن فرّ حربًا عارضته الغوائل
الغوائل: الدواهي، وهي جمع غائلة، وفاعل يتبع: ضمير سيف الدولة. وحربًا: نصب لأنه مفعول له، وقيل: أصله من حرب فحذف من ونصبه.
يقول: إن سيف الدولة يجعل مراده طالبًا لكل من هرب منه، فمن فر منه خوفًا من محاربته، عارضته في طريقه - من قبل سيف الدولة - الغوائل والبلايا فأهلكته.
ويجوز رفع مراده فيكون هو فاعل يتبع ومعناه: أن مراده يتبع هراب الرجال ويطلبهم حتى يدركهم، فيكون اتبع وتبع بمعنى.
ومن فرّ من إحسانه حسدًا له ... تلقّاه منه، حيثما سار نائل
يقول: إن جوده عم الأرض، فمن حسده على إحسانه وهرب إلى موضع لا يرى فيه إحسانه ولا يسمع به، رأى منه في كل مكان نائلًا، وسمع حيثما كان بذكر جوده وعطاياه، فلا يمكنه الفرار منه أبدًا.
فتى لا يرى إحسانه وهو كاملٌ ... له كاملًا حتّى يرى وهو شامل
الشامل: العام.
يقول: لا يرى إحسانه الكمل كاملًا، حتى يكون مع كماله عامًا شاملًا.
إذا العرب العرباء رازت نفوسها ... فأنت فتاها والمليك الحلاحل
العرباء والعاربة: القديمة. رازت: أي جربت، والحلاحل: السيد. وروى: فأنت قناها وروى فتاها يقول: إذا جربت العرب أنفسها، واختبرت أحوالها، علمت أنك سيدها وكريمها.
أطاعتك في أرواحها وتصرّفت ... بأمرك والتفّت عليك القبائل
يقول: إن العرب أطاعتك في أرواحها: أي لو أمرتها بقتل نفوسها لأطاعتك، وتصرفت العرب بأمرك، واجتمعت قبائلها عليك طاعة لك وانقيادًا.
وقيل: أراد أن أنسابهم أحدقت بنسبك، وأنت الواسطة فيهم.
وكلّ أنابيب القنا مددٌ له ... وما تنكت الفرسان إلاّ العوامل
عامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه. وتنكت: أي تسقط، يقال: نكته عن فرسه: أي أسقطه على رأسه.
يقول: أنت من العرب كالسنان من الرمح، وهم كالأنابيب تحته. والأنابيب تكون مددًا للسنان وعونا للرمح والغرض يحصل بالسنان: وهو الذي يتقدم في الحرب، فكذلك تتولى الحرب وتتقدم إليها كالسنان.
قال ابن جني: أردت أن أقول: وما ينكت بالياء، فأبى أبو الطيب ذلك وقال: أريد وما تنكت الأنابيب فلذلك أنثت وهذه لغة يقال: ما قامت إلا هند، أي ما قامت امرأة إلا هند، فكذلك تقديره: ما تنكت أنبوبة الفرسان إلا العوامل، واللغة الجيدة في مثل هذا الموضع إضمار وتذكير الفعل، فيقال: ما قام أحد إلا هند. وإضمار المؤنث أيضًا لغة.
رأيتك لو لم يقتض الطّعن في الوغى ... إليك انقيادًا، لاقتضته الشّمائل
يقول: لو لم يقد الناس إلى طاعتك الخوف من طعنك، لقادهم إليك كرم شمائلك.
ومن لم تعلّمه لك الذّلّ نفسه ... من النّاس طرًّا علّمته المناصل
يقول: من لم يتعلم لك الذل في الخضوع من ذلة نفسه، علمه السيف ذلك. يعني: من لم يذل لك طائعًا ذل قهرًا وجبرًا. ومثله الآخر.
فإن لّم تصل رحم ابن عمرو بن مرثدٍ ... يعلّمك وصل الرّحم عضبٌ مجرّب
وأنفذ سيف الدولة قول الشاعر، وهو أبو الأسود الدؤلي:
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
وسأله إجازته فقال ورسوله واقف:
لنا ملكٌ ما يطعم النّوم، همّه ... مماتٌ لحيٍّ أو حياةٌ لميّت
تم الكلام عند قوله: ما يطعم النوم ثم ابتدأ فقال: همه معناه: أنه لهمته لا ينام، كما قال:
يؤرّقه فيما يشرفه الفكر
ثم قال: إن همه مقصور على إحياء الأولياء: يعني تخليصهم من الهلكة، وإماتة الأعداء.
ويكبر أن تقذى بشءٍ عيونه ... إذا ما رأته خلّةٌ بك فرّت

1 / 316