Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
وقول ابن حجر : ( هذا مجرد دعوى بلا سند ) مردود لأن ذكر السند ليس بشرط لصحة الإجماع ، مع أن الآية المذكورة سند معتمد لصحة الإجماع المسطور . وقول ابن حجر : ( إن النهي فيه للتنزيه ) مخالف للأصل الذي عليه الجمهور ، وقوله : ( على أنه يلزم الحنفية حيث استدلوا به أن يقولوا إن الإتمام فرض ، وهم إنما يقولون بوجوبه ) مدفوع بأن الآية قطعية والدلالة ظنية ، وقوله : ( واستثناء الواجب من الفرض منقطع ) ممنوع ، فإن الواجب عندنا فرض عملي لا اعتقادي ، وبهذا الإعتبار يطلق عليه أنه فرض ، فالمراد بالفرض في الحديث المعنى الأعم والله أعلم ؛ مع أنه لا محذور في جعل الإستثناء منقطعا لصحة الكلام كما اختاره في هذا المقام ، وقوله : ( على أنه من النفي لا يفيد الإثبات ، بل الحكم مسكوت عنه عندهم ) مدخول ، فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا الحديث ، وتقدم أن دليلهم الآية والإجماع ، وإنما حملوا لفظ الحديث على المعنى المستفاد منهما . ثم هذا مطرد في جميع العبادات عندنا حيث يلزم النفل بالشروع ، ووافقنا الشافعي في الحج والعمرة فعليه الفرق ، وإلا فيكفينا قياس سائر العبادات عليهما أيضا والمعنى إلا أن توجب على نفسك بالنذر ، والأصل في الإستثناء أن يكون متصلا وعدل عنه ابن حجر فقال : ( لكن التطوع مستحب فهو استثناء من مدخول لا منقطع ، وحينئذ فلا يدل على إيجاب إتمام التطوع بالشروع فيه ) ، أقول : يحتمل أن يكون الإستثناء منقطعا ، والمعنى لكن التطوع باختيارك أي ابتداء كما هو مذهبنا ، أو انتهاء أيضا كما هو مذهب الشافعي . وفيه حث على الخيرات وترك الوقوف على مجرد الواجبات ( قال رسول الله : وصيام شهر رمضان ) عطف على خمس ، وجملة السؤال والجواب معترضة ( قال : هل علي غيره ) أي هل علي صوم فرض سوى صوم رمضان ( قال : ) بحذف الفاء في الأصول الحاضرة ( لا ) فلا يجب صوم عاشوراء سواء كان واجبا قبل رمضان أم لا ( إلا أن تطوع ، قال : ) أي طلحة ( وذكر له رسول الله الزكاة ) هذا قول الراوي فإنه نسي ما نص عليه رسول الله ، أو التبس عليه فقال : ذكر الزكاة ، وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة في الرواية ، فإذا التبس عليه بعضها يشير في ألفاظه إلى ما ينبىء عنه كما فعل راوي هذا الحديث ( فقال : هل علي غيرها ، قال : لا ) قيل : يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها ، وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها ، وإلا فحقوق المال كثيرة كصدقة الفطر ونفقة ذوي الأرحام والأضحية ( إلا أن تطوع ، قال : ) أي طلحة ( فأدبر الرجل وهو ) أي والحال أن ذلك الرجل ( يقول : والله لا أزيد على هذا ) أي في الإبلاغ ، أو في نفس الفرضية ( ولا أنقص منه ) أي شيئا ، وفي رواية البخاري : ( لا أتطوع شيئا ، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا ) ( فقال رسول الله : أفلح الرجل ) أي دخل في الفلاح ، والمعنى فاز وظفر وأدرك بغيته ، وهي ضربان : دنيوي وهو الظفر بما يطيب معه الحياة والأسباب ، وأخروي وهو ما يحصل به النجاة من العذاب والفوز بالثواب ، قالوا : ولا كلمة أجمع للخيرات منه ، ومن ثم فسر بأنه بقاء بلا فناء ، وغني بلا فقر ، وعز بلا ذل ، وعلم بلا جهل . وفي رواية : ( أفلح والله ) ، وفي أخرى : ( صحيحة بلا شك ) ، وفي رواية : ( أفلح وأبيه ) وفيه إشكال لأنه ورد : ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) فقيل : إنه قبل النهي . وقيل : فيه حذف مضاف أي ورب أبيه ، وقيل : إنه والله وإن الكاتب قصر اللامين ، وقيل : إن الكراهة في غير الشارع كما نقله البيهقي عن بعض مشايخه ، وأغرب ابن حجر فضعف الأقوال المذكورة جميعها وحمل على أن هذا وقع من غير قصد ، وهو في غاية من البعد . ( إن صدق ) بكسر الهمزة على الصحيح ، وفي نسخة بفتحها أي لصدقه ولا إشكال فيه ، وعلى الأول قيل : إنما حكم عليه الصلاة والسلام بكونه من أهل الجنة مطلقا في رواية أبي هريرة ، وهنا علق الفلاح بصدقه ، والحال أنه روي أن الحديثين واحد لأنه يحتمل أنه قال بحضور الأعرابي لئلا يغتر فيشكل عليه ، فلما ذهب قال : ( من سره ) الخ ، وقيل : يحتمل أن يكون قبل أن يطلعه الله على صدقه ، ثم أطلعه الله عليه ، ويمكن أن يقال : لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحا لأن المفلح هو الناجي من السخط والعذاب ، فكل مؤمن من أهل الجنة وليس كل مؤمن مفلحا ، ولذا قال تعالى : 16 ( { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون } ) الآيات [ المؤمنون 1 2 ] ، وقال : 16 ( { هدى للمتقين } ) الآيات [ البقرة 2 ] ، ثم قال : 16 ( { وأولئك هم المفلحون } ) [ البقرة 5 ] ( متفق عليه ) ورواه أبو داود والنسائي .
Page 159