وعليه فالمرجح أن يراد من عدم التكلم ظاهره، ويحتمل من غير المرجح أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلموا أحدًا، وإلى ذلك ذهب عطاء وهو خلاف الظاهر، وإنما خالف الظاهر لأنه "لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب ما كان منتزعًا من السؤال"، كذا في مدارك التنزيل (١)، فيكون الوجه في عدم تكليم الناس الإشارة إلى أنه غير ممنوع من التكلم بذكر الله تعالى وتخليص المدة لشكره، بحيث لا يُشغل لسانه بغيره، ولا تنافي – بالطبع – بين ما أفاده أبو البركات وغيره من أمر حمل التسبيح على ما ذكر وحمله على معنى الصلاة، لكونه كما قلنا وكما هو معلوم جزءًا منها، ولكونه مقيدًا ومفسرًا بما في نحو قوله: (يصلي في المحراب) كذا بالتصريح بنوع العبادة وبالمراد من التسبيح.
مقام الحض على صلاتي الفجر والعصر بخاصة:
هذا وتكمن النكتة في مجيئ التأكيد على صلاتي الصبح والعصر تارة بصيغة الأمر كما في قوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار)، وتارة بالتكرار أو ما يشبهه كما في قوله: (فسبح وأطراف النهار) بعد قوله في نفس الآية والسورة (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ... في الإعلام بمزيد فضلهما، والقصد إلى أن تكون الصلاة أول أعمال المسلم إذا أصبح، وأخر أعماله إذا أمسى لتكون السيئات الحاصلة فيما بين ذلك ممحوة بالحسنات الحافّة بها، وهذا مشير إلى حكمة كراهة الحديث بعد صلاة العشاء حفاظًا على الصلاة بصفة عامة، وما كان منها في أوقات الغفلة بصفة خاصة (٢) .
(١) المسمى بتفسير النسفي، وينظر فيه ١/٢١٤.
(٢) التحرير ١٢/١٧٩مجلد ٩.