Min balāghat al-Qurʾān fī al-taʿbīr biʾl-ghudū waʾl-āṣāl
من بلاغة القرآن فى التعبير بالغدو والأصال
Regions
Egypt
ويبدو هذا المعنى بوضوح في آية الأعراف: (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال.. الأعراف/٢٠٥) فإن الأمر بذكر الله في هذه الآية الكريمة وحمله على ظاهره في تخصيص الوقتين المذكورين دون سائر الأوقات، غير مستساغ ولا يساعد عليه السياق، ذلك أن الاستغراق في الأحوال يستتعبه استغراق في الأوقات كيما تستوعب جميع ما يقوم به الإنسان في سائر شئون حياته، سيما وأن لكل حالة يقدم عليها أو يهم بها – حتى فيما يظن أنه مشغلة عن ذكر الله من نحو دخول السوق أو الخلاء – دعاء أو ذكر وارد يلزم المسلم التزود به، وفي الحديث الذي ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى ﵇: يارب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري. قال: يا رب إني أكون على حال أُحِلُّك أن أذكرك فيها، قال: وما هي؟ قال: أكون جنبًا، أو على الغائط.. فقال: وإن كان، قال: يا رب فما أقول؟ قال: تقول (سبحانك وبحمدك جنبني الأذى، وسبحانك وبحمدك فقني الأذى)، قلت: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه (١)، يقول عبد الله بن أبي الهزيل فيما نقله عنه ابن القيم: (إن الله تعالى ليحبّ أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا في الخلاء)، ويكفي في هذا الحال استشعار الحياء والمراقبة، والنعمة عليه في هذه الحالة، وهي من أجلّ الذكر. فذكر كل حال بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه.. إذ النعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به، وكان علي ابن أبي طالب إذا خرج من الخلاء، مسح بطنه وقال: (يا لها من نعمة لو يعلم الناس قدرها)، وكان بعض السلف يقول: (الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى فيّ
(١) رواه مسلم ٣٧٣وأبو داود١٨ والترمذي ٣٣٨ وأحمد في المسند ٦/٧٠، ١٥٣ وابن ماجة ٣٠٢.
1 / 108