بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي المناجاة (١) .
والظاهر أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى اللفظ دون الحقيقة، وبيان ذلك:
أن الجميع متفق على أن الله ﷾ إذا نسخ حكمًا عوض المؤمنين عنه بحكم آخر هو خير من الحكم المنسوخ أو مثله، فلا يتركهم هملًا بلا حكم (٢) .
وإنما اختلفوا في تسمية الحكم المنتقل إليه بدلًا إذا كان رجوعًا وردًا إلى الحكم السابق الذي كانوا عليه؟
فعند جمهور الأصوليين – وهم القائلون بالنسخ إلى غير بدل – لا يسمى هذا بدلًا، إذ البدل عندهم خاص بما هو حكم شرعي آخر ضد المنسوخ كاستقبال الكعبة بدلًا من بيت المقدس، أما الرد إلى ما كانوا عليه قبل شرع المنسوخ – كما في المناجاة – فليس هذا بدلًا عند هؤلاء.
أما النافون للنسخ إلى غير بدل فمرادهم بالبدل ما هو أعم من حكم آخر ضد المنسوخ فيشمل – إضافة إليه – الرد إلى ما كانوا عليه قبل شرع المنسوخ، لذا فإن الحكم المنتقل إليه يسمى – عند هؤلاء – بدلًا ولو كان رجوعًا إلى الحكم السابق (٣) .
يوضح ذلك قول ابن القيم: "......فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسًا، بل لا بد أن يُبقي بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس للصلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها" (٤) .
والأولى على كلِّ أن يقال: إن النسخ لا بد فيه من البدل، وإن هذا البدل قد يكون حكمًا شرعيًا جديدًا كما في استقبال القبلة، وقد يكون رجوعًا إلى
(١) انظر الجواب على التمثيل والاستدلال بآية المناجاة في كلام ابن القيم الآتي، وفي: "أضواء البيان" (٣/٣٦٢، ٣٦٣) .
(٢) انظر: "شرح الكوكب المنير" (٣/٥٤٨) .
(٣) انظر: "روضة الناظر" (١/٢١٦)، و"شرح الكوكب المنير" (٣/٥٤٨، ٥٤٩) .
(٤) "الجواب الكافي" (٢٢٧) .