Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
التسمية على كل حال وعند الوداع.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ) أي بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة، مَرَّ في كتاب الإيمان في باب من استبرأ.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: أن شيخه مذكورٌ بكنيتِه واسمِه صريحًا. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي.
قوله: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»).
مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة وليس فيه ما يطابقُ قولَه: (عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا)، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث، وقد روى مسلم من حديث النعمان: قالَ ذلكَ عندما كاد أن يكبر. وفي حديث أنس في الباب الذي بعد هذا: أقيمت الصلاةُ فأقبل علينا فقال...
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن مثنى وابن بشار عن غندَر عن شعبة.
قوله: (لَتُسَوُّنَّ) بفتح اللام وضم الواو وتشديد النون، واللام فيه للتأكيد، وقال البيضاوي: هذه اللام هي التي يُتَلقَّى بها القسم، والقسم هنا مُقَدَّر، ولهذا أكده بالنون المشددة، وقد أبرزه أبو داود في «سننه»: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسولُ الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم»، ثلاثًا «والله لَتُقِيمُنَّ صفوفَكم أو لَيُخالِفَنَّ اللهُ بين قلوبكم». الحديثُ، وأصل (لَتُسَوُّنَّ): لَتُسَوُّوْن، لأنه من التسوية تقول: تُسوِّي تُسوِّيان تُسوُّوْن، بضم الواو الأولى وسكون الثانية، والنون فيه علامة الجمع، فلما دخلت عليه نون التأكيد الثقيلة حُذِفت نونُ الجمع وإحدى الواوين لالتقاء الساكنين، فالمحذوف هو واوُ الجمع أو واوُ الكلمة؟ فيه خلاف، وقد عُلِمَ في موضعه. وفي رواية المستملي: (لَتُسَوُّوْنَ) فالنون على هذه الرواية نون الجمع. فإن قلتَ: ما معنى التسوية؟ قال العيني: اعتدال القائمين بها على سَمْتٍ واحد، ويراد بها أيضًا سدُّ الخلل الذي في الصف على ما سيأتي.
قوله: (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ) بفتح اللام الأولى لأنها لام التأكيد، وبكسر اللام الثانية وفتح الفاء، ولفظ: (اللهُ) مرفوع بالفاعلية، وكلمة: (أَوْ) في الأصل موضوعةٌ لأحد الشيئين أو الأشياء، وقد تخرُج إلى معنى بل، وإلى معنى الواو، وهي حرف عطفٍ ذَكَر المتأخِّرون لها معانيَ كثيرة، وههنا لأحد الأمرين، لأن الواقع أحدُ الأمرين: إما إقامةُ الصفوف أو المخالفةُ. والمعنى: لَيُخَالِفنَّ اللهُ إن لم تقيموا الصفوف، لأنه قَابَلَ بين الإقامة وبينَهُ، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيدٌ لِمَن لم يُقِم الصفَّ من جنس ذنبه لاختلافهم في مقامهم.
واختُلِف في الوعيد المذكور فقيل: هو على حقيقته، والمراد: تسوِيَةُ الوجه بتحويل خَلْقِه عن وضعه بِجَعْلِه موضعَ القفا أو نحوَ ذلك، فهو نظيرُ ما تقدم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، وعلى هذا فهو واجبٌ والتفريط فيه حرام، وسيأتي البحث في ذلك في باب إثم مَن لم يُتِمَّ الصفوف قريبًا، ويؤيد حملَه على ظاهره حديثُ أبي أُمامة بلفظ: «لَتُسَوُّنَّ الصفوفَ أو لَتُطْمَسَنَّ الوجوهُ» أخرجه أحمد، ولهذا قال ابن الجوزي:
الظاهر أنه مثلُ الوعيدِ المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. قال شيخنا: وحديث أبي أُمامة في إسناده ضعف. انتهى.
ومنهم مَن حمله على المجازِ قال النووي: معناه يُوقِع بينكم العداوة والبغضاء واختلافَ القلوب، كما تقول: تغيَّر وجهُ فلان عَلَيَّ أي ظهر لي من وجهِه كراهِيَةٌ، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفةٌ في ظواهرهم واختلافُ الظواهر سببٌ لاختلاف البواطن، ويؤيده رواية أبي داود وغيرِه بلفظ: «أوْ ليخالِفَنَّ الله بين قلوبكم» كما سيأتي قريبًا. وقال القرطبي: معناه يفترقون فيأخذ كل واحدٍ وجهًا غيرَ الذي أخذ صاحبُه، لأن تقدم الشخص على غيرِه مظِنَّةُ الكِبْرِ المفسِدِ للقلب الداعي إلى القطيعة، والحاصل أن المراد بالوجه إن حُمِل على العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية أو الصفةِ أو جَعْلِ القُّدَامِ وراءً، وإن حُمِل على ذات الشخص فالمخالفة بحسب المقاصد. أشار إلى ذلك الكِرماني، ويُحتمل أن يراد بالمخالفة: في الجزاء فيجازي الْمُسَوِّي بخيرٍ ومَن لا يسوي بِشَرٍّ.
فإن قلتَ: إذا كان الصفُّ ثلاثةَ نفرٍ فتقدَّم واحدٌ على الأوسطِ وتأخَّر واحدٌ عنه، فإنْ سوَّى مع المتقدِّمِ فقد فرَّطَ في التسوية مع المتأخِّر وبالعكس، فكيف يفعلُ؟ قلتُ: يسوِّي مع الذي بينه وبين الإمامِ بالقدْر المطلوب في الشرع إلا أن يكون هناك صفٌّ بينهم وبين الإمام أكثر من القدْر المطلوبِ شرعًا أو أقل وثَمَّ واحدٌ بينه وبينه القدْر المطلوب فيُسوي مع الصفِّ. انتهى.
٧١٨ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميمين، هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، ترجمته في باب قول النبي اللهم علمه الكتاب في كتاب العلم.
(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد البصري، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع.
قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي»).
مطابقته للترجمة من حيث إن الأمرَ بإقامة الصفوف هو الأمر بالتسوية.
وهذا الحديث أخرجه مسلم عن شيبان عن عبد الوارث، وعند النسائي: كان يقول: «استووا استووا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدَيَّ».
قوله: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ) أي عدِّلوا، يقال: أقام العودَ أي عدَّله وسوَّاه.
قوله: (فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي) الفاء فيه للسببية، وأشارتُه ﵇ إلى أن سببَ الأمرِ بذلك إنما هو تحقُّقِي منكم خلافَه، ولا يخفى ذلك علَيَّ لأَنِّي أرى مِن خلف ظهري، كما أرى مِن بين يدي. ثم إن هذا يجوز أن يكون إدراكًا خاصًَّا بالنبي ﷺ مُحَقَّقًا انخَرقتْ له العادة، وخُلِقَ له عينٌ وراءه فيرى بها، كما ذكر مختار بن محمد في رسالته «الناصرية»: أنه ﵇ كان بين كَتِفَيْه عينانِ مثلَ سَمِّ الخِيَاط، فكان يُبصِر بهما، ولا يحِجبُهُما الثياب. وفي حديث: كان ﵇
1 / 272