255

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

للترجمة في قوله (وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ...) إلى آخره. هذا الأثر وصله الإسماعيلي، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى السرخسي حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري فذكره، وقال أيضًا: أخبرنا إبراهيم بن هانئ حدثنا الزيادي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عبيد الله بن عدي به، ومن طريق هِقْلِ بن زياد سمعت الأوزاعي عن الزهري حدثني حميد، ومن طريق عيسى عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد حدثني عبيد الله بن عدي، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق الحسن بن سفيان عن حبان عن عبد الله بن المبارك أخبرنا الأوزاعي فذكره. قال شيخنا: وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن الأوزاعي وخالفه يونس بن يزيد فقال عن الزهري عن عروة أخرجه الإسماعيلي أيضًا، وكذلك رواه معمر عن الزهري أخرجه عمر بن شَبَّة في كتاب «مقتل عثمان» عن غندر عنه ويحتمل أن يكون للزهري فيه شيخان. انتهى.
قوله: (وَهُوَ مَحْصُورٌ) جملةٌ اسمية وقعت حالًا على الأصل بالواو، أي محبوسٌ في الدار ممنوع عن الأمور.
قوله: (إِمَامُ عَامَّةٍ) بالإضافة، أي إمامُ جماعةٍ، وفي رواية يونس: وأنت الإمام، أي الإمام الأعظم.
قوله: (وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى) بنون المتكلم ويروى: (مَا تَرَى)، بتاء المخاطب، أي من الحصار وخروج الخوارج عليك.
قوله: (وَيُصَلِّي لَنَا) أي يؤمُّنا.
قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي رئيسُ فتنة، واختُلِف في المشار إليه بذلك فقيل: هو عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَوِي أحد رؤوس المصريين الذين حصروا عثمان، وهو الذي جلب على عثمان أهل مصر. قاله ابن وضاح فيما نقله عنه ابن عبد البر وغيرُه، وقاله ابن الجوزي وزاد: أن كِنانة بن بِشر أحد رؤوسهم صلى بالناس أيضًا. قال شيخنا: وهو المراد هنا، فإن سيف بن عمر روى حديث الباب في كتاب «الفتوح» من طريق أخرى عن الزهري بسنده فقال فيه: دخلتُ على عثمان وهو محصور وكِنانة يصلي بالناس، فقلت: كيف ترى... الحديث. انتهى.
وكان هؤلاء لما هجَموا على المدينة كان عثمانُ يخرج فيصلي بالناس شهرًا، ثم خرج يومًا فحصبوه حتى وقع على المنبر ولم يستطع الصلاة يومئذ فصلى بهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري لكن بإذن عثمان، رواه عمر بن شَبَّة بسند صحيح، ورواه المدائني من طريق أبي هريرة: فمنعوه فصلى بهم عبد الرحمن بن عُدَيس تارة وابن بشر تارة فبقيَا على ذلك عشرة أيام. قال شيخنا: وكذلك صلى بهم علي بن أبي طالب فيما رواه إسماعيل الخطبي في «تاريخ بغداد» من رواية ثعلبة بن يزيد الحماني قال: فلمَّا كان يومُ عيد الأضحى جاء عليٌّ فصلى بالناس. وقال ابنُ المبارك فيما رواه الحسن الحلواني: لم يصلِّ بهم غيرَها، وفعل ذلك عليٌّ لئلا تُضاع السنة، وقال غيره: صلى بهم عدة صلوات، وصلى بهم أيضًا سهل بن حنيف. رواه عمر بن شَبَّة بإسناد قوي. وقيل: صلى بهم أيضًا أبو أيوب الأنصاري وطلحة بن عبيد الله.
فإن قلتَ: فكيف يقال في حق هؤلاء: (إِمَامُ فِتْنَةٍ)؟ أجيب: ليس واحدٌ من هؤلاء مرادًا بقوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ)، دل على ذلك تفسير الداودي، فإنه قال: معنى قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي إمامٌ وقتَ فتنة، وعلى هذا لا اختصاص له بالخارجي، قال: ويدل على صحة ذلك أن عثمان لم يَذكُر الذي أَمَّهُم بمكروه، بل ذكر أن فِعْلَه أحسنُ الأعمال. انتهى. قال شيخنا: وهذا مغاير لمراد المصنف في ترجمته، ولو كان كما قال لم يكن قوله: (وَنَتَحَرَّجُ) مناسبًا.
انتهى. قلت: قد تقدم آنفًا أن عَدِي بن الخِيَار سأل عثمان حال صلاة كنانة بن بشر بالناس، فهذا يحُمل أن سؤاله خاصٌ بالخارجي، ويحتمل أن يكون سؤاله عامًا ليعلمَ الحالَ في ذلك. انتهى. قال العيني: أو نقول: إنهم استأذنوه في الصلاة فأذِن لهم لعلمه أن المصريين لا يَصِلون إليهم بِشَرٍّ.
قوله: (وَنَتَحَرَّجُ) بالحاء المهملة وبالجيم، من التَّحَرُّج، أي نخاف الوقوع في الإثم، وأصل الحرجِ الضيقُ ثم استُعمِل للإثم لأنه يُضيِّق على صاحبه، وفي رواية ابن المبارك: وإنَّا لنتحرج من الصلاة معهم. وهذا القول ينصرف إلى صلاة من صلى من رؤساء الخوارج في وقت الفتنة، ولا يدخل فيه مَن ذكرناهم من الصحابة.
قوله: (فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ) أي فقال عثمان: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ). فقوله: (الصَّلَاةُ) مبتدأ. وقوله: (أَحْسَنُ) مضافٌ إلى ما بعدَه خبرُهُ. وفي رواية ابن المبارك: إن الصلاة أحسن. وفي رواية هِقْل بن زياد عن الأوزاعي عند الإسماعيلي: الصلاةُ مِن أحسن ما يعمل الناس. فإن قلتَ: هذا يدل على أن عثمان لم يَذكر الذي أَمَّهُم من رؤساء الخوارج بمكروهٍ وتفسيرُ الداودي على هذا لا اختصاص له بالخوارج كما ذكرنا هذا عن قريب. قال العيني: لا يلزم من كون الصلاة أحسنُ ما يعملُ الناسُ أو مِن أحسنِ ما يعمل الناس أنْ لا يستحقَّ فاعلُها ذَمًَّا عند وجود ما يقتضيه.
قوله: (فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ) ظاهرُه أن عثمان رخَّص له في الصلاة معهم كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتونًا بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما افتُتِن به، وبهذا توجد المطابقة بينه وبين الترجمة.
وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى أن الصلاة خلفه لا تصحُّ فحاد عن الجوابِ بقوله: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ) لأن التي هي أحسن هي الصلاة الصحيحةُ وصلاة الخارجي غير صحيحة، لأنه إما كافرٌ أو فاسق. انتهى. قال شيخنا: وهذا قاله نُصرَةً لمذهبه في عدم صحة الصلاة خلف الفاسق، وفيه نظرٌ، لأن سيف بن عمر روى في «الفتوح» عن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه قال: كَرِهَ الناسُ الصلاةَ خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه. وهذا صريحٌ مِن أن المقصود بقوله: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ) الإشارةُ إلى الإذن بالصلاة خلفَه. وفيه تأييد لما فهمه البخاري من قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ). وروى سعيد بن منصور من طريق مكحول قال: قالوا لعثمان: إنا لَنَتَحرَّج أن نصليَ خلف هؤلاء الذين حصروك، فذكر نحو رواية الزهري وهذا منقطع إلا أنه اعتضَد.
قوله: (وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) فيه تحذيرٌ من الفتنة والدخولِ فيها ومِن جميع ما يُنكَر من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ. وفيه: أن الصلاة خلف من تُكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة. قال شيخنا: وفيه ردٌّ على من زعم أن الجمعة لا تجزئ أن تقام بغير إذن الإمام. قال العيني: ليس فيه ردٌّ بل دعوى الردِّ على ذلك مردودةٌ، لأن عليًا صلى يوم عيد الأضحى الذي شرطها أن تصلى في مصلى الجمعة، فمن أين ثبت أنه صلى بغير إذن عثمان. ولذلك روي عنه أنه صلى عدة صلوات وفيها الجمعة. فمَن ادَّعى أنه صلى بغير استئذان فعليه البيان، ولئن سَلَّمنا أنه صلى بغير استئذان ولكن كان ذلك بسبب تخلف الإمام

1 / 255