241

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

أن إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ قال: فكان يؤمُّنا وهو جالسٌ ونحن جلوس. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أُسَيدِ بن حُضَير: أنه كان يؤم قومَه فاشتكى فخرج إليهم بعد شكواه (^١) فأمروه أن يصلي بهم فقال: إني لا أستطيع أن أصليَ قائمًا، فقعَدوا فصلى بهم قاعدًا وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسَيدِ بن حُضَير أنه قال: يا رسول الله إن إمامنا مريضٌ. قال: «إذا صلى قاعدًا فصلُّوا قعودًا». وفي إسناده انقطاع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة فصلى بهم جالسًا (^٢) وصلَّوا معه جلوسا. وعن أبي هريرة: أنه أفتى بذلك. وإسناده صحيح أيضًا.
وقد ألزم ابنُ المنذر من قال: فإنَّ الصحابي أعلمُ بتأويل ما رَوَى، فَأَن يقول بذلك، لأن أبا هريرة وجابرًا رَوَيا الأمرَ المذكور واستمرَّا (^٣) على العمل به والفتيا بعد النبي ﷺ، ويلزمُ ذلك مَن قال: إن الصحابي إذا روى وعمل بخلافه أنَّ العبرة بما عمل من باب الأولى، لأنه هنا عمل بوفق ما رَوَى. وقد ادعى ابنُ حبان الإجماعَ على العمل به، وكأنه أراد السكوتيَّ، لأنه حكاه عن الأربعة الذين ذكرناهم، وقال: لا أحفظُ عن أحد من الصحابة غيرِهم القولَ بخلافه من طريقٍ صحيح ولا ضعيف.
وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلافَ ذلك، ثم نازَعَ في ثبوت كون الصحابة صلَّوْا خلفَه ﵇ وهو قاعدٌ قيامًا غيرَ أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرِدْ صريحًا. قال شيخُنا: وأطال في ذلك بما لا طائل فيه، والذي ادعى نفيه قد أثبته (^٤) الشافعيُّ وقال: إنه في رواية إبراهيم عن الأسود، ثم وجدتُه مصرَّحًا به أيضا في مصنف عبد الرزاق عن ابن جُريج أخبرني عطاء... فذَكَر الحديثَ ولفظُه: فصلى النبي ﷺ قاعدًا وجعل أبا بكر بينَه وبين الناس، وصلى الناسُ وراءَه قيامًا. وهذا مرسلٌ مُعتضِدٌ بالرواية التي علَّقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر فإنهم ابتدؤوا الصلاةَ مع أبي بكر قيامًا بلا نزاع، فمَن ادَّعى أنهم قعَدوا بعد ذلك فعليه البيان.
ثم رأيتُ ابنَ حِبَّان استدل على أنهم قعدوا بعدَ أن كانوا قيامًا بما رواه من طريق أبي (^٥) الزبير عن جابر قال: اشتكى رسولُ الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعدٌ وأبو بكر يُسمِعُ الناس التَّكبير، قال: فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار إلينا فقعدنا، فلمَّا سلَّم قال: «إن كدتم لتفعلون فعلَ فارس والروم فلا تفعلوا...». الحديثُ. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، لكن ذلك لم يكن في مرض موته وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضًا قال: ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة فصرعه (^٦) على جذم نخلة فانقلَبَ قدمُه... الحديثُ. قلت: الجذمُ: القطع. انتهى. أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح.
فلا حجة على هذا لِما ادعاه إلا أنه تمسُّكَ بقولِ في رواية أبي الزبير: وأبو بكر يُسمع الناس التكبيرَ. وقال: إن ذلك لم يكن إلا

(^١) في (الأصل): «سلوه»، والصواب: «شكواه» كما في فتح الباري.
(^٢) في (الأصل): «والنساء»، والصواب: «جالسًا» كما هو في مصنف ابن أبي شيبة.
(^٣) في (الأصل): «واستموا»، والصواب: «واستمرَّا».
(^٤) كلمة غير واضحة في (الأصل): ولعلها «أثبته».
(^٥) في (الأصل): «ابن»، والصواب: «أبي» كما هو في صحيح ابن حبان.
(^٦) في (الأصل): «فصرحه»، والصواب: «فصرعه».
في مرض موته، لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشرَبة عائشة ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يُسمِعُهم تكبيرَه بخلاف صلاته في مرض موته فإنها كانت في المسجد بجمع كثيرٍ من الصحابة فاحتاج أبو بكر أن يُسمعهم التكبيرَ. انتهى. ولا رَاحة له فيما تَمسك به، لأن إسماعَ التكبير في هذا لم يتابِع أبا الزبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنه حفِظه فلا مانع أن يُسمعَهم أبو بكر التكبيرَ في تلك الحالة، لأنه يُحمل على أن صوَته ﷺ كان خفيًا من الوجع، وكان من عادته أن يجهَرَ بالتكبير فكان أبو بكر يجهرُ عنه بالتكبير لذلك.
ووراء ذلك كلِّه أنه أمْرٌ محتمِلٌ لا يُترَك لأجله الخبرُ الصحيح بأنهم صلوا قيامًا كما تقدم في مرسل عطاء وغيرِه، بل في مرسل عطاء متصلًا به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قيامًا فقال النبي ﷺ: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودًا فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا». وهذه الزيادة تُقَوِّي ما قال ابن حبان: إن هذه القصة كانت في مرض النبي ﷺ الأخير.
ويستفاد منها: نسخُ (^١) الأمرِ بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلى إمامُهم قاعدًا، لأنه ﷺ لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكنْ إذا نُسِخ الوجوبُ بقيَ الجوازُ، والجواز لا ينافي الاستحبابَ، فيُحمل أمرُه الأخير بأن الصلاة قعودًا على الاستحباب، لأن الوجوب قد رُفِع بتقريره لهم وترْكِ أمرِهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة وبالله التوفيق. انتهى.
قال العيني: ثم اعلم أن صلاة القائم خلف القاعد هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالكٍ في روايةٍ والأوزاعي، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة ﵂ المذكور. فإن قلتَ: روى البخاري ومسلم والأربعة عن أنس قال: «سقط رسول الله ﷺ عن فرس...» الحديثُ. وفيه: «إذا صلى قاعدًا فصلُّوا قعودًا»، وروى البخاري أيضًا ومسلم عن عائشة قالت: اشتكى رسول الله ﷺ فدخل عليه ناسٌ من أصحابه... الحديثُ. وفيه: «إذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا». قلتُ: هؤلاء يجعلون هذا منسوخًا بحديث عائشة المتقدم أنه صلى آخر صلاته قاعدًا والناسُ خلفه قيامٌ، وأيضًا أنَّ تلك الصلوات كانت تطوعًا والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض، ومما يدل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إياك والالتفات في الصلاة فإنه هَلَكَةٌ، فإنْ كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة». وقال: حديث حسن. انتهى.
٦٨٨ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي المصري.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي ابن أنس الإمام.
قوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ)
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂، ترجمة هؤلاء اخمسة في بدء الوحي.
وهذا الإسنادُ فيه: التحديثُ بصيغة

(^١) كلمة: «نسخ» ساقطة من (الأصل) والاستدراك من فتح الباري.

1 / 241