240

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

إمامة القاعدِ المعذورِ لمثله وللقائم أيضًا، وخالف مالكٌ في المشهور عنه ومحمدُ بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاصٌّ بالنبي ﷺ واحتج بحديث جابر عن الشعبي مرفوعًا: «لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا»، واعترضه الشافعي فقال: قد عَلِم مَن احتج بهذا أنْ لا حجةَ فيه لأنه مرسلٌ ومن رواية رجلٍ يرغب أهلُ العلم عن الرواية عنه. يعني: جابرًا الجعفي. قلتُ: قال بعض الحفَّاظ: قال أبو حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيتُ أكذبَ من جابرٍ الجُعفي. انتهى. وقال ابن بَزِيزَة: لو صح لم يكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي يعرب قوله: «جالسًا» مفعولًا لا حالًا. وحكى عياض عن بعض مشايخه: أن الحديث المذكور يدل على نسخ الأمرِ المتقدم لهُم بالجلوس لَمَّا صَلَّوْا خلفه قيامًا. وتُعُقِّبَ بأن ذلك يحتاج - لو صَحَّ - إلى تاريخٍ وهو لا يصح، لكنه زَعم أنه يُقَوَّى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحدٌ منهم.
قال: والنسخُ لا يثبت بعد النبي ﷺ، لكنَّ مواظبتَهم على ترك ذلك تَشْهَدُ لصحة الحديث المذكور. وتُعُقِّبَ بأن عدم النقل لا يدل على (^١) عدم الوقوع، ثم لو سُلِّم لا يلزم منه عدم الجواز لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. واحتَجَّ أيضًا بأنه ﷺ إنما صلى بهم قاعدًا لأنه لا يصح التقدم بين يديه، لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء ولا يكون أحد شافعًا له، وتُعُقِّبَ بصلاته ﵇ خلف عبد الرحمن بن عوف وهو ثابت بلا خلافٍ، وصح أيضًا أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمنا. قال شيخنا: والعجب أن عُمدة مالكٍ في منع إمامة القاعد قولُ ربيعةَ: أن النبي ﷺ كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر. وإنكارُه أن يكون ﷺ أَمَّ في مرض موته قاعدًا كما حكاه عنه الشافعي في «الأم»، وكيف يَدَّعِي أصحابُه عدمَ تصويرِ أنه صلى مأمومًا، وكأنَّ حديثَ إمامته المذكورَ لَمَّا كان في غاية الصحة ولم يمكنهُم (^٢) ردُّه سلكوا في الانتصار (^٣) وجوهًا مختلفة. وقد تَبَيَّن بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أَّن المراد بمنع التقدُّمِ بين يديه في غير الإمامة، وأنَّ المراد بكون الأئمة شفعاء أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة، ثم لو سُلِّمَ أنه لا يجوز أن يؤمَّه أحدٌ لم يدلَّ ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أَمَّ قاعدًا جماعةٌ من الصحابة بعده، منهم: أُسَيْدُ بن حُضَيْر وجابر وقيس بن قَهْد وأنس بن مالك وغيرُهم، بل ادَّعى بن حبان وغيرُه إجماعَ الصحابة على صحة إمامة القاعد كما سيأتي.
وقال أبو بكر بن العربي: لا جوابَ لأصحابنا عن حديثِ مرضِ النبي ﷺ يَخلُصُ عند الشكِّ، واتباعُ السنة أولى والتخصيصُ لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحالُ أحدُ وجوه التخصيصِ، وحالُ النبي ﷺ والتبركُ به وعدم العِوَضِ عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها وليس

(^١) في (الأصل): «بأن عدم الفعل على عدم الوقوع»، والصواب: «بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع» كما في فتح الباري.
(^٢) في (الأصل): «يمكنه»، والصواب: «يمكنهم» كما في فتح الباري.
(^٣) في (الأصل): «الاختصار»، والصواب: «الانتصار» كما في فتح الباري.
ذلك لغيره، وأيضًا فنقصُ صلاة القاعد عن القائم لا يُتصور في حقه ويُتصور في حق غيره. والجواب عن الأول: رده بعموم قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعن الثاني: بأن النقص إنما يكون في حق القادر في النافلة وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.
واستُدِل به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدًا إذا صلى الإمام قاعدًا لكونه ﷺ أقر الصحابة على القيام خلفَه وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي وكذا نقله المصنف في آخر الباب عن شيخه الحميدي وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك.
وجَمَعَ بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدًا لِمرضٍ يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعودًا، ثانيهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائمًا لزِم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا سواءٌ طرَأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موته ﷺ، فإن تقريرَه لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا وصلَّوا معه قيامًا بخلاف الحالةِ الأولى فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالسًا فلما صلَّوْا خلفه قيامًا أنكر عليهم. ويقوِّي هذا الجمعَ أن الأصل عدمُ النسخ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزِمُ دعوى النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصليَ قاعدًا، وقد نُسِخ إلى القعود في حق من صلى إمامُه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدم عن القاضي عياض فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات.
وقد قال بقول أحمدَ جماعةٌ من محدِّثي الشافعية كابن خزيمة وابنِ المنذر وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى منها: قولُ ابنِ خزيمة إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصليَ قاعدًا تبعًا لإمامِه لم يُختَلَف في صحتها ولا في سياقها وأما صلاته ﵇ قاعدًا فاختُلِف فيها: هل كان إمامًا أو مأمومًا. قال: وما لم يُختَلفْ فيه لا ينبغي تركه لِمُختَلَفٍ فيه.
وأجيب: بدفع الاختلاف والحَملِ على أنه كان إمامًا مرةً ومأمومًا أخرى. ومنها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريرُه قيامَهم خلفَه كان لبيان الجواز، فعلى هذا إِنْ أَمَّ قاعدًا لعذر تخيرَ من صلى خلفَه بين القعود ِوالقيامِ، والقعودُ أولى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباعِ وكثرةِ الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خزيمة عن استبعادِ من استبعد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي ﷺ بذلك واستمر عملُ الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْدٍ - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاري:

1 / 240