186

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

ولا فيه دلالة أصولية فافهم.
الثاني: ما قاله الباجي، وهو أن الخبر ورد مورِد الترهيب وحقيقتُه غير مرادة، إنما المرادُ المبالغةُ، ويرشد إلى ذلك وعيدهم (^١) بالعقوبة التي يعاقَب بها الكفار، وقد انعقد الإجماعُ على منع عقوبةِ المسلمين بذلك (^٢)، قيل: إنَّ المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة الآتي في الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار ثم على نَسْخِه، فحَمْلُ التهديد على حقيقته غير ممتنع
الثالث: ما قاله ابن بَزِيزَة عن بعضهم أنه استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب، لكونه ﵇ هَمَّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعةُ فرض عينٍ ما هَمَّ بتركها إذا توجه، وتعقَّبَهُ بأن الواجب يجوز تركُه لِمَا هو أوجب منه. انتهى. وقال شيخنا: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعةٍ آخرين.
الرابع: كونه ﷺ ترك تحريقَهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا لما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: وليس في الحديث حجة، لأنه- ﵇ -هَمَّ ولم يفعل. زاد النووي: ولو كانت فرض عين لَمَا تركهم. قال العيني: قول النووي أقرب. وقال ابن دقيق العيد: هذا ضعيف، لأنه ﵇ لا يَهِمُّ إلا بما يجوز له فِعْلُهُ لو فَعَلَه، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتَرَكوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية» الحديث. وقد تقدم.
الخامس: ما قيل: إنَّ المراد بالتهديد قومٌ تركوا الصلاة رأسًا لا مجرد الجماعة. وَرُدَّ بما رواه مسلم: «لا يشهدون الصلاة»، أي لا يحضرون. وفي رواية عجلان عن أبي هريرة: «لا يشهدون العِشاء في الجميع» أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعًا: «ليَنتَهِيَنَّ رجالٌ عن تركهم الجماعات أو لأحرقنَّ بيوتهم».
السادس: ما قيل: إنَّ الحديث وَرَدَ في الحثِّ على مخالفة فِعلِ أهل النفاق والتحذيرِ من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل. أشار إليه الزين بن المنير. قال شيخنا: وهو قريب من الوجه الثاني. انتهى.
السابع: ما قيل: إن الحديث وَرَد في حق المنافقين، فليس التهديد به لترك الجماعة بخصوصه فلا يتم الدليل. وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على ترك الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان مُعرِضًا عنهم وعن عقوبتِهم مع علمه بطَوِيَّتِهم، وقد قال: «لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه» وتعقَّب ابنُ دقيق العيد هذا التعقُّبَ بأنه لا يتم إلا إن ادَّعَى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه فلا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخبِرًا فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. انتهى.
قلت: وأيضًا إعراضه عن عقوبة المنافقين لِمَا أظهروه من الإسلام «وحسابهم على الله» - كما قال ﵇، وهذا الإعراضُ لا يقتضي الإعراضَ عنهم بالكلية حتى لا يُحوِجَهم على ترك ما يرجو فيه صلاح قلوبهم من الصلاة معه والقُربِ من الرحمةِ وسماعِ كلام الله الذي لو نُزِّل على جبلٍ لرأيته خاشعًا، لأنه

(^١) في (الأصل): «وعندهم» والصواب «وعيدهم».
(^٢) في (الأصل): «فذلك» والصواب «بذلك».
﵇ ربما رجا لهم التوبةَ، لقول الله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤]. انتهى.
قال شيخنا: والذي يظهر لي أن الحديث وَرَد في المنافقين، لقوله في صدر الحديث الآتي بعد أربعة أبواب: «ليس صلاةٌ أثقلُ على المنافقين من العشاء والفجر» الحديث. ولقوله: «لو يعلم أحدهم...» إلى آخره، لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكنَّ المرادَ به نفاق المعصية لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية عجلان: «لا يشهدون العشاء في الجميع»، وقولِه في حديث أسامة: «لا يشهدون الجماعة»، وأصرحُ من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي داود: «ثم آتي قومًا يُصَلُّون في بيوتهم ليست بهم علة».
فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصيةٍ لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياءً وسُمعةً فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. نبه عليه القرطبي. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: «لولا ما في البيوت من النساء والذرِّية» يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا، لأن تحريق بيت الكافر إذا تعيَّنَ طريقًا إلى الغَلَبَةِ عليه لم يمنع ذلك وجودُ النساء والذرية في بيته.
وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاقِ في الحديث نفاقُ الكفر فلا يدل على عدم الوجوب، لأنه يتضمن أنَّ ترك الجماعة من صفات المنافقين وقد نُهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغةِ في ذمِّ من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن مِن (^١) هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلُّفُ عن الجماعة، بل من جهة أن التخلفَ ليس من شأنهم بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود: لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق. رواه مسلم. انتهى كلامه.
وروَى ابنُ أبي شيبة وسعيدُ بن منصور بإسنادٍ صحيح عن أبي عمير بن أنس (^٢) قال: حدثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله ﷺ: «ما يشهدهما منافق» -يعني العشاء والفجر -.
قال شيخنا: ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحبُ هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيدُ في حق من تخلف لأني أقول: بل هذا يُقَوِّي ما ظهر لي أولًا أنَّ المراد بالنفاق نفاقُ المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خَرَجَ هو المؤمنُ الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازًا لِمَا دل عليه مجموع الأحاديث.
الثامن (^٣): ما ادعاه بعضهم أن فرضية الجماعة كانت في أول الأمر لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نُسِخ. حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم وهو التحريقُ بالنار كما سيأتي واضحًا في كتاب الجهاد، وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديُث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ كما سيأتي بيانه في الباب الذي بعد هذا، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفعل (^٤)، ومِن لازِمِ ذلك الجواز.
التاسع (^٥): أن المراد بالصلاة الجمعةُ لا باقي الصلوات.

(^١) «مِن» ليست في (الأصل) والصواب إثباتها.
(^٢) في (الأصل): «عمير بن أنيس» والصواب «أبي عمير بن أنس».
(^٣) في (الأصل): «السابع» والصواب «الثامن».
(^٤) كذا في (الأصل): «الفعل» ولعل الصواب «الفضل».
(^٥) في (الأصل): «الثامن» والصواب «التاسع».

1 / 186