185

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

الروايةُ عن علي. مردودٌ بروايته الصحيحة عن ابن مسعود ﵁.
الثالث: قوله: مات ابنُ أمِّ مكتومٍ بالقادسية. مردودٌ بقول ابن حِبَّان في كتاب «الصحابة»: شَهِدَ القادسية ثم رجع إلى المدينة فمات بها في خلافة عمر ﵁.
الرابع: قوله: إنَّ سِن ابن أبي ليلى لا يقتضي له السماع من عمر. مردودٌ بقول أبي حاتم الرازي - وسأله ابنُه: هل سمع عبد الرحمن من بلال؟ - فقال: بلالٌ خرج إلى الشام قديما في خلافة عمر، فإنْ كان رآه صغيرًا فهذا أبو حاتم لم ينكِر سماعَه من بلال المتوفى سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، بل جوَّزه، فكيف ينكَرُ من عمر! ورواه البيهقي من حديث ابن شهاب الخياط عن العلاء بن المسيب عن ابن أم مكتوم: قلتُ: يا رسول الله إن لي قائدًا لا يُلازمني في هاتين الصلاتين العشاءِ والصبحِ. فقال: «لو يعلمُ القاعدون عنهما ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا».
وفي «الأوسط» من حديث البزار: أن ابن أم مكتوم شكَى إلى النبي ﷺ، وسَأَله أن يرخِّصَ له في صلاة العشاء والفجر، وقال: أن بيني وبينك أَشَبٌ، فقال: «هل تسمع الأذان؟»، قال: نعم. مرَّةً أو مرتين، فلم يرخِّص له في ذلك.
وعنده أيضًا من حديث عَدي بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة: جاء رجل ضريرٌ إلى النبي ﷺ، فقال: إني أسمع النداء فلعلِّي لا أجد قائدًا، ويشُقُّ عليَّ أن أتخذ مسجدًا في بيتي، فقال ﵇: «أيبلُغُك النداء؟» قال: نعم، قال: «فإذا سمعتَ فأجِبْ». وقال: تفرَّدَ زيد بن أبي أنيسة عن عدي عن عبد الله بن مغفل. قوله: «أَشَبٌ» بفتح الهمزة وفتح الشين المعجمة وفي آخره باءٌ موحدة، وهو كثرة الشجر، يقال: بلد آشِبةٌ إذا كانت ذات شجر، وأراد ههنا النخل.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسألَ النبيَّ ﷺ أن يرخِّصَ له فيصلي في بيته فرخَّصَ له، فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال: «فأجب». وخرَّجه السراج في «مسنده» من حديث عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: أتى ابنُ أم مكتومٍ الأعمى... الحديث.
وبما رُويَ عن ابن عباسٍ عن النبي ﷺ: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر». خرجه ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث سعيد بن جبير عنه. وفَسَّر العذر في حديث سلمان بن قرم بلفظ: «من سمع النداء ينادَى به صحيحًا فلم يأتِهِ من غير عُذرٍ لم يقبل الله له صلاةً غيرها»، قيل: وما العذر؟ قال: «المرض والخوف».
وبما رواه ابن ماجه من حديث الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن الحكم بن مينا أخبرني ابن عباس وابن عمر ﵃ سمعا النبيَّ ﷺ يقول على أعواده: «لينتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجماعات أو لَيَخْتِمَنَّ اللهُ على قلوبهم». قلتُ: المراد بأعوادِه: منبرُه ﵇.
وبما رواه ابن ماجه أيضًا من حديث الوليد بن مسلم عن الزِّبرِقان بن عمرو الضَّمري عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لينتهين رجالٌ على ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم». وبما رواه أبو سعيد بن يونس في «تاريخه» من حديث واهب
بن عبد الله المعافري عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «لَأَنا على أمتي في غير الخمر أخوفُ عليهم من الخمر: سكنى البادية وتركِ المساجد».
وبما رواه الطبراني في «الأوسط» بسند جيد عن أنس ﵁: «لو أن رجلا دعا الناس إلى عَرْق أو مِرمَاتين لأجابوه، وهم يُدعون إلى هذه الصلاة في جماعة فلا يأتوها! لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي بالناس في جماعة فأضرمها عليهم نارًا فإنه لا يتخلف إلا منافق». وبما رواه أبو داود في «سننه» بسند لا بأس به عن أبي الدرداء مرفوعًا: «ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما تأكل الذئبُ القاصيةَ».
وبما رواه أبو نعيم الدُّكَيْنِي بسندٍ صحيحٍ يرفعُه: «من سمع النداء فلم يجبْ من غير عذر فلا صلاة له». وبما رواه الكَجِّي في «سننه» عن حارثة بن النعمان يرفعه: «يخرج الرجل في غنيمته فلا يشهد الصلاة حتى يطبع على قلبه». في إسناده عمر مولى عفرة. وعن أبي زُرَارة الأنصاري قال: قال ﷺ: «من سمع النداء فلم يجب كُتِبَ من المنافقين». ذكره أبو يعلى أحمد بن علي المثنى في «مسنده» بسند فيه ضعف. وبما رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» عن جابر ﵁ قال ﵇: «لولا شيءٌ لأمرتُ رجلًا يصلي بالناس ثم لحرقت بيوتًا على ما فيها».
وأما استدلال من قال بأنها سنٌة أو فرض كفاية فيما تقدم في هذا الكتاب من الأحاديث التي فيها: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذِّ»، لأن صيغة «أَفْعَل» تقتضي الاشتراك في الفضل وترجيحَ أحد الجانبين، وما لا يصحُّ لا فضل فيه. ولا يجوز أن يقال: إنَّ «أفضل» قد تُستعمل بمعنى الفاضل. ولا يقال: إنَّ ذلك محمول على صلاة المعذور فذًّا؛ لأن «الفَذّ» مُعرَّفٌ بالألف واللام فيفيد العموم ويدخل تحته كلُّ فذٍّ من معذورٍ وغيرِه. ويدل أيضًا أنه أراد غيرَ المعذور بقوله: «أو في سوقه»، لأنَّ المعذور لا يروحُ إلى السوق، وأيضًا فلا يجوز أن يُحمَل (^١) على المعذور لأن المعذور في أجر الصلاة كالصحيح.
واستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم وصححه عن أُبَي بن كعب ﵁: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاتِه وحدَه، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما كثُرَ فهو أحب إلى الله ﷿).
وبقوله ﵇ لِلَّذَين صلَّيا في رحالهما من غير جماعة: «إذا صليتُما في رحالكما ثم أتيتُما المسجد فصليا فإنَّها لكما نافلة». فلو كانت الجماعة فرضًا لأمَرَهُما بالإعادة، ومثلُ هذا جرى لمحجن الديلي. ذكره في «الموطأ».
وأما الجواب عن حديث الباب فعلى أوجه:
أحدها: ما قاله ابن بطال، وهو أن الجماعة لو كانت فرضًا لقال حين توعَّدَ بالإحراق من تخلَّفَ عن الجماعة: «لم تجزيه صلاتُه»، لأنه وقتُ البيان. وتعقَّبَه ابن دقيق العيد بأنَّه البيان قد يكونُ بالتنصيص وقد يكون بالدلالة، فلَمَّا قال ﵇: «لقد هممتُ...» إلى آخره دَلَّ على وجوب الحضور وهو كافٍ في البيان.
قال العيني: ليس فيه دلالة من الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام،

(^١) «يحمل» ليس في (الأصل) والصواب إثباتها.

1 / 185