Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
قليل، فغضبَ غضبًا شديدًا، لا أعلم أنِّي رأيُته غضب غضبا أشد منه، ثم قال: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أتَتَبَّع هذه الدور التي تخلف أهلوها عن هذه الصلاة فأضرمها عليهم بالنيران».
وفي «كتاب» الطوسي مصحَّحًا: «ثم آتي قومًا يتَخلَّفون عن هذه الصلاة فأحرق عليهم» - يعني: صلاة العشاء -. وفي «مسند» عبد الله بن وهب: حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا عجلان عنه: «لينتهِيَنَّ رجالٌ مِن حول المسجد لا يشهدون العشاء أو لَأُحرِّقَنَّ بيوتهم». وفي كتاب «الثواب» لحميد بن زنجويه: «آمر رجالا في أيديهم حُزَمُ حطبٍ لا يؤتى رجلٌ في بيته سمع الأذان إلا أُضرِم عليه بيتُه».
وفي «الأوسط» للطبراني: «آمر رجالا إذا أقيمت الصلاة أن يتخلفوا دونَ من لا يشهد الصلاة فيُضرِموا عليهم بيوتهم»، قال: «ولو أنَّ رجلًا آذَنَ الناس إلى طعامٍ لأتَوه، والصلاةُ ينادَى بها فلا يأتوها». وفي «معجمه الصغير»: «ثم أنظر فمن لم يشهد المسجد فأحرق عليه بيته». وفي كتاب «الترغيب والترهيب» لأبي موسى المديني الأصبهاني: خرج بعدما تهوَّر الليلُ وذهب ثلثه ثم قال: «لو أن رجلًا نادَى الناسَ إلى عَرْقٍ أو مِرْمَاتَين أتوه لذلك، وهم يتخلفون عن هذه الصلاة». وعند الدارقطني في «مسنده»: «لو كان عَرْقًا سمينا أو مِغرَفتين لشهدوها».
وفي «مصنف» عبد الرزاق - بسند صحيح -: «لقد هممتُ أن آمر فتياني أن يجمعوا إليَّ حُزمًا من حطب ثم أنطلق فأحرق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة»، رواه عن جعفر عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة. ولِمَا رواه البيهقي من طريق أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق قال: كذا قال: «الجمعة»، وكذلك روي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. والذي يدل سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعات. وروي في «المعجم الأوسط» عن ابن مسعود بالإطلاق من غير تقييدٍ بالجمعة، والذي فيه التقييدُ بالجمعة رواه السراج عن أبي الأحوص عن عبد الله.
قوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي والله الذي نفسي بيده القدرة، وهو قَسَمٌ كان النبي ﷺ كثيرًا ما يُقسِم به.
قوله: (لَقَدْ هَمَمْتُ) جوابُ القسم، أكَّدَهُ باللام وكلمةِ «قد»، ومعنى: (هَمَمْتُ) أي قصدتُ، مِنَ الهَمِّ وهو العزمُ، وقيل: دونَه.
قوله: (فَيُحْطَبَ) بالفاء، وهو على صيغة المجهول، وهو رواية الكُشْمِيهَني. وفي رواية الحموي والْمُستملي: <لِيُحْطَبَ> باللام. ورواية الكُشْمِيهَني هو روايةُ الأكثرين وروايةُ «الموطأ» أيضًا، وقال الكِرماني: وفي بعض الرواية «ليحطب» بالنصب ولام كي وبالجزم ولام الأمر. وقال أيضًا: «ليحتطب» أي ليُجمَع، يُقال: حطبتُ واحتَطبتُ إذا جمعْتُ الحطب.
وقال بعضُهم: ومعنى «يُحطَب»: يُكسر ليسهُل إشعالُ النارِ به. قال العيني: ليس المعنى كذلك، والمعنى: أن آمُرَ بحطب فيُحطب أي فيُجمع، وكذلك معنى: «يُحتَطب» كما ذكرناه، ولم يقل أحدٌ من أهل اللغة أي معنى يُحَطب: يُكسَر.
قوله: (ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ) الألف واللام فيها إن كانت للجنس فهو عام، وإن كانت للعهد ففي روايةٍ: أنها العِشاء، وفي أُخرَى: الفجرُ، وفي أُخرَى: الجمعة، وفي أخرى: يتخلفون عن الصلاة مطلقًا. ولا تضاد بينها؛ لجواز تعدُّدِ الواقعة، نعم إذا كان المرادُ الجُمعة فالجماعة شرط فيها، ومحل الخلاف إنما هو في غيرها.
وقال البيهقي: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعة، ونوزع فيه، لأن أبا داود والطبراني روَيَا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد بن الأصم فَذَكَر الحديث. قال يزيد: قلتُ ليزيد بن الأصم يا أبا عوف الجمعة عَنَى أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أُذُناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يؤثره عن رسول الله ﷺ ما ذَكَر جمعةً ولا غيرها. فظهر من ذلك أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها غيرُ الجمعة، وظهر أن البيهقي وهِم في هذا، نعم جاء في حديث ابن مسعودٍ وأخرجه مسلم وفيه: الجزمُ بالجمعة، وهو حديث مستقل برأسه، ومَخْرَجُه مُغايرٌ لحديث أبي هريرة لا يَقدح أحدُهما في الآخر، لإمكان كونهما واقعتين كما أشرنا إلى ذلك عن قريب.
قوله: (فَيُؤَذَّنَ لَهَا) كذا هو باللام، أي أُعلِمَ الناس لأجلها، ويُروَى بالباء أي أعلمتُ بها. والهاءُ مفعول ثانٍ.
قوله: (ثُمَّ أُخَالِفَ) من باب المفاعَلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه. وقال الزمخشري: يقال: خالفني إلى كذا، إذا قصدَه وأنت مُوَلِّ عنه، قال تعالى ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ﴾ [هود: ٨٨]، والمعنى: أخالفَ المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرُجوا عنها إلى الصلاة فأُحرقها عليهم. ويقال: معنى أخالفَ إلى رجال: أذهبَ إليهم. والتقييدُ بالرجال يُخرِج الصبيانَ والنساء.
قوله: (فَأُحَرِّقَ) بالتشديدِ مِنَ التحريق، والمراد به التكثيرُ، يقال: حَرَّقَه - بالتشديد - إذا بالغ في تحريقه، ويُروى: «فأُحْرِقَ» من بابِ الإحراق، وروايةُ التَّشديد أكثرُ وأشهرُ.
قوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَعَادَ يمينَه لأجل المبالغةِ في التهديد.
قوله: (عَرْقًا) بفتح العين المهملة وسكون الراء، جَمعُه عُراق، قال الأزهري في «التهذيب»: هي العظام التي يؤخذ منها هَبْرُ اللحم ويبقى عليها لحومٌ رقيقة طيِّبةٌ فتُكسر وتطبخ وتؤخذُ إِهالتُها من طُفاحتها ويؤكل ما على العظام من لحم رقيق ويُتَمَشَّشُ العظامُ، ولحمها من أطيب اللحوم عندهم. يقال: عَرَقتُ اللحمَ وتَعرَّقتُهُ وأَعْرَقْتُهُ، إذا أخذتَ اللحمَ منه نَهْشًا بأسنانك، وعظم معروق: إذا أُلقي عليه لحمُه أي قُشِر، والعُرام مثل العُراق، قاله الرياشي. وقال القُتيبي: سمعتُ الرياشي يروي عن أبي زيد أنه قال: قول الناس: ثريدةٌ كثيرة العُراقِ خطأ، لأن العُراقَ العظامُ.
وفي «الموعِب» لابن التياني عن ابن قتيبة: تسمى عُراقًا إذا كانت جرداءَ لا لحم عليها، وتسمى عُراقًا وعليها اللحم، وزعم الكلابي أن العَرْق العظمُ الذي أخذ أكثرُ ما بقي عليه، وبقي عليه شيء يسير. وعن الأصمعي: العَرْقُ بجزم الراء: الفِدرةُ من اللحم، وجمعُها عُراق وهو من الجمع العزيز. وحكى ابن الأعرابي في جمعه: عِراق بالكسر، وهو أقيس وفي «الْمُغرِب»: العَرْقُ العظم.
قوله (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) بكسر الميم وفتحها، وهي تثنية مِرماة، وقال الخليل: هي ما بين ظلفي الشاة. وحكاه أبو عبيد وقال: لا أدري ما وجهُه، ونقله المستملي في روايته في كتاب الأحكام عن الفَربري عن محمد بن سليمان
1 / 183