Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī
مزيد فتح الباري بشرح البخاري
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
Genres
•Commentaries on Hadiths
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»).
مطابقته للترجمة في قوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا).
قال شيخنا: وموضع هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة: أنَّ المرءَ عند إجابة المؤذن يُحتمل أن يدرك الصلاة كلَّها أو بعضَها أو لا يدرك شيئًا، فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات وكيفيةِ العمل عند فوات البعض ونحو ذلك. انتهى.
والحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة عن إسحاق بن منصور وعن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: (بَيْنَمَا) أصله: «بين»، فزيدت فيه الميم والألف، وربما تزاد الألف فقط، فيقال: «بينا»، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملةٍ من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمُّ به المعنى، والأفصح أن لا يكون «إذ» و«إذا» في جوابهما. يقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو.
قوله: (جَلَبَةَ) بجيم ولام وموحدة مفتوحة.
قوله: (الرِجَالِ) بالألف واللام، وهما للعهد الذهني، وقد سُمِّي منهم أبو بكرة فيما رواه الطبراني من رواية يونس عن الحسن عنه في نحو هذه القصة في رواية الأكثرين، وفي رواية كَريمة والأصيلي: <جلبة رجال> بغير ألف بدون الألف واللام، والجَلَبَة، بالفتحات: الأصوات، وذلك الصوت كان بسبب حركتهم وكلامِهم واستعجالهم.
قوله: (مَا شَأْنُكُمْ؟) الشأنُ - بالهمز والتخفيف -: الحال، أي ما حالُكُم حيثُ وقع منكم الجَلَبَة؟
قوله: (لَا تَفْعَلُوا) أي لا تستعجلوا، وذُكِر بلفظ الفعل لا بلفظ الاستعجال مبالغةً في النهي عنه.
قوله: (بِالسَّكِينَةِ) بفتح السين المهملة وكسر الكاف: التأني والهِينة، ويروى: <فعليكم السكينةَ> بدون حرف الجر، وبالنصب نحو: عليك زيدًا، أي الزمه، ويجوز الرفعُ على أنه مبتدأٌ وخبرُه هو قوله: (عَلَيْكُمْ).
قوله: (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي القدْرُ الذي أدركتموه من الصلاة مع الإمام فصلوا معه، وما فاتكم منها فأتموه.
وفي هذه اللفظة اختلاف، فعند أبي نعيم الأصبهاني: «وما فاتكم فاقضوا»، وكذا ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى، وفي رواية أبي داود من حديث أبي هريرة: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»، وكذا هو في أكثر روايات مسلم.
وفي رواية: «فاقضِ ما سبقك»، وفي روايةٍ لأبي داود: «فاقضوا ما سبقكم» وعند أحمد من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سعيد عنه: «وما فاتكم فاقضوا»، وفي «المحلَّى» من حديث ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أنه قال: «إذا كان أحدُكُم مقبِلًا إلى الصلاة فليمش على رِسْلِه، فإنه في صلاة، فما أدرك فليصل، وما فاته فليقضِ بعدُ». قال عطاء: وإني لأصنُعه.
وفي «مسند أبي قرة» عن ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عنه بلفظ: «فاقضوا». قال: وذكر سفيان عن سعد بن إبراهيم حدثني عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عنه، بلفظ: «وليقض ما سبقه».
قال العيني: اختلف العلماء في الإتمام والقضاء المذكورين: هل هما بمعنًى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلافٌ فيما يدركُه الداخل مع الإمام: هل هو أولُ صلاته أو آخرُها؟ على أربعة أقوال:
أحدُها: أنه أولُ صلاتِه، وأنَّهُ يكون بانِيًا عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن علي
وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول، وروايةٌ عن مالك وأحمد. واستدلوا بقوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، لأن لفظ الإتمامِ واقعٌ على باقٍ من شيءٍ قد تقدم سائرُه، وروى البيهقي من حديث عبد الوهاب بن عطاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁: ما أدركتَ فهو أول صلاتك. وعن ابن عمر بسند جيدٍ مثلُه.
الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيَبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك. وقال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال سُحنون: هذا الذي لم يُعرف خلافُه، دليلُه ما رواه البيهقي من حديث قتادة: أن علي بن أبي طالب قال: ما أدركتَ مع الإمام فهو أولُ صلاتِك، واقض ما سبقك به من القرآن.
الثالث: أنَّ ما أدرك فهو أولُ صلاتِه إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورةٍ مع الإمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمدِ وحدَها، لأنه آخرُ صلاتِه، وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر.
الرابع: أنَّهُ آخِرُ صلاتِه وأنه يكون قاضيًا في الأفعال والأقوال، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية، وسفيان ومجاهد وابن سيرين. وقال ابن الجوزي: الأشبهُ بمذهبنا ومذهبِ أبي حنيفة أنه آخرُ صلاتِه، وقال ابن بطال: رُوي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخَعي والشعبي وأبي قلابة، ورواه ابنُ القاسم عن مالك، وهو قول أشهب وابن الماجِشون، واختاره ابنُ حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ: «وما فاتكم فاقضوا». ورواه ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيح عن أبي ذر، وابنُ حزم بسندٍ مثلِه عن أبي هريرة، والبيهقيُّ بسندٍ لا بأس به على رأي جماعةٍ عن معاذ بن جبل، ﵁.
قال العيني أيضًا: والجواب عمَّا قال الشافعي ومن تبعه وهو قولُه: (فَأَتِمُّوا) أنَّ صلاةَ المأموم مرتبطةٌ بصلاة الإمام، فحُمِل قولُه: (فَأَتِمُّوا) على أنه من قضى ما فاته فقد أتمَّ، لأن الصلاة تنقُصُ بما فات، فقضاؤه إتمامٌ لما نقص.
فإن قلتَ: قال النووي: وحجة الجمهور أن أكثر الروايات: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)، وأجيب عن رواية: «واقض ما سبقك» أن المراد بالقضاءِ الفعلُ لا القضاءُ المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كثُرَ استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]. وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]. ويقال: قضيتُ حقَّ فلان، ومعنى الجميعِ: الفعلُ.
قال أيضًا: أما الجواب عن قوله: (فَأَتِمُّوا) فقد ذكرناه آنفا، وأما قوله: المراد بالقضاءِ الفعلُ، فمشترك الدلالة، لأن الفعل يُطلق على الأداء والقضاء جميعًا، ومعنى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]: قدَّرَهُنَّ، ومعنى ﴿قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]: فرغتُم عنها، وكذا معنى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ومعنى: قضيتُ حقَّ فلان، أنهيتُ إليه حقه، ولو سلمنا أنَّ القضاء بمعنى الأداء فيكون مجازًا، والحقيقةُ أولى من المجاز، ولا سيما على أصلهم أن المجازَ ضروري لا يُصار إليه إلا عند الضرورة والتعذر.
فإن قلتَ: حكى البيهقي
1 / 173