167

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

فعلِّمُوهُم فلْيُصلُّوا صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا». وفي إجازة خبر الواحد: فلمَّا ظن أنَّا قد اشتقنَا أهلَنا سألْنا عمن تركْنا بعدَنا، فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومُرُوهُم - وذكر أشياء أحفظُها أو لا أحفظها - وصلُّوا كما رأيتموني أصلي» الحديث. وفي باب رحمة الناس والبهائم نحوُه.
وعند أبي داود: «كنَّا يومئذ متقارِبِين في العلم». وفي رواية لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقارِبِين. وفي رواية ابن حزم: متقارنين، بالنون في الموضعين، من المقارنة. يقال: فلانٌ قرينُ فلان، إذا كان قرينَه في السِّنِّ، وكذا إذا كان في العلم. وقال القرطبي: يُحتمل أن تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت في وِفادتين أو في وِفادةٍ واحدة، غير أن النقل تكرر منه، ومن النبي ﷺ. انتهى.
فيه: قال شيخنا: استُدِلَّ بهذا على أفضلية الإمامة على الأذان وعلى وجوب الأذان وبيان خطأ من نقل الإجماع على عدم الوجوب، وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في باب إذا استووا في القراءة، في أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى. انتهى.
فيه: الأمر بالأذان للجماعة، وهو عامٌّ للمسافر وغيره، وكافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر، إلا عطاء فإنه قال: إذا لم يؤذِّن ولم يُقِم أعاد الصلاة، وإلا مجاهدًا فإنه قال: إذا نسي الإقامة أعاد، وأَخَذَا بظاهر الأمر، وهو: أذِّنَا وأقيما. وقيل: الإجماع صارف عن الوجوب.
قال العيني: وفيه نظر، وحكى الطبري عن مالك أنه: يعيد إذا ترك الأذان، ومشهورُ مذهبه الاستحباب. وفي «المختصر» عن مالك: ولا أذان على مسافر، وإنما الأذان على من يُجتمَع إليه لتأذينه، وبوجوبه (^١) على المسافر قال داود. قالت طائفة: هو مخيَّر، إن شاء أذَّنَ وأقام. روي ذلك عن علي ﵁، وهو قول عروة والثوري والنخعي. وقالت طائفة: تُجزئه الإقامةُ، رُوي ذلك عن مكحول والحسن والقاسم، وكان ابن عمر يقيم في السفر لكل صلاة إلا الصبح فإنه كان يؤذن لها ويقيم.
وقال قاضي خان من الحنفية: رجلٌ صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يُكره. قال: فالكراهة مقصورة على المسافر، ومَن صلَّى في بيته فالأفضل له أن يؤذِّنَ ويُقيمَ ليكون على هيئة الجماعة، ولهذا كان الجهرُ بالقراءة في حقِّه أفضل. وقال القرطبي في قوله: «ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» يدل على تساويهما في شروط الإمامة، ورجَّحَ أحدهما بالسن.
قال العيني: لأن هؤلاء كانوا مُستوين في باقي الخصال، لأنهم هاجروا جميعًا، وأسلموا جميعًا وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة، فاستوَوا في الأخذ عنه. فلم يبق ما يُقدَّم به إلا السن.
وفيه: حجة لأصحابنا - أي الحنفية - في تفضيل الإمامة على الأذان لأنه ﵇ قال: «لْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» خَصَّ الإمامةَ بالأكبر. انتهى.
وفيه: دليلٌ على أن الجماعة تصِحُّ بإمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين.
وفيه: الحض على المحافظة

(^١) في (الأصل): «وبجوبه» والصواب «وبوجوبه».
على الأذان في الحضر والسفر.
وفيه: أن الأذان والجماعة مشروعان على المسافرين. انتهى.
قلت: وفيه الرحلة لطلب العلم.
وفيه: جواز مفارقة المتعلم شيخَه لاشتياقه إلى أهله.
وفيه: رحمةُ الشيخ لتلميذه وإعانتُه له على مطلوبه بالإذن له فيما يرومُه من أمر الدنيا المباح.
وفيه: رحمة النبي ﷺ ورقةُ قلبه.
وفيه: محبةُ الأهل والاشتياق إليهم.
وفيه: جواز ترك الأفضل لأجل المفضول. انتهى.
(١٨) بَابُ الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِين، إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ
أي هذا باب في بيان حكم الأذان للمسافرين، وأشار بهذه الترجمة إلى أن للمسافر أن يؤذن.
وقوله: (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً) هو مقتضى أحاديث الباب، ولكن ليس فيها ما يمنع أذان المنفرد. وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أميرٌ فينادى بالصلاة فيجتمعوا لها، فأما غيرهم فإنما هي الإقامة.
وقوله: (لِلْمُسَافِرِين) بلفظ الجمع هو رواية الكُشْمِيهَني، وهو مناسب لقوله: (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً)، وفي رواية الباقين: <لِلْمُسَافِرِ> بلفظ الإفراد، فيؤوَّل أن تكون الألف واللام فيه للجنس، وفيه معنى الجمع فحصلت المناسبة من هذا الوجه.
قوله: (وَالإِقَامَةِ) بالجر عطفا على الأذان.
قوله: (وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ) أي: وكذلك الأذان والإقامة بعرفة وجمع، بفتح الجيم وسكون الميم، وهو المزدلفة، سميت بجمع لاجتماع الناس فيها ليلة العيد. وأما عرفة فإنها تطلق على التاسع من ذي الحجة، وعلى المكان وهو الموضع المعروف الذي يقف فيه الحجاج يوم عرفة.
ولم يَذكر في: جمع، حديثا، فكأنه اكتفى بحديث ابن مسعود الذي ذكره في كتاب الجمع، وفيه: أنه صلى المغرب بأذان وإقامة، والعشاء بأذان وإقامة، ثم قال: «رأيت رسول الله ﷺ يفعله»، وكذلك لم يذكر في عرفة شيئًا، وكأنه أشار إلى حديث جابر الطويل أخرجه مسلم، وفيه: «أن بلالًا أذَّن وأقام لَمَّا جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر يوم عرفة».
قوله: (وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ) لفظ: (قَوْلِ) مجرور أيضًا عُطِفَ على قوله: (وَالإِقَامَةِ) وإلى هنا كله من الترجمة.
وقوله: (الصَّلَاةُ) بالنصب أي: أدُّوها، ويروى بالرفع على أنه مبتدأ وخبره قوله: (فِي الرِّحَالِ) تقديره: الصلاة تصلَّى في الرحال. وهو جمع رَحْل، ورحل الشخص.
قوله: (وَالمَطِيرَةِ) بفتح الميم، على وزن: فعيلة، بمعنى: الماطرة. وإسناد المطر إلى الليلة بالمجاز، إذ الليل ظرفٌ له لا فاعل، وللعلماء في: أنبت الربيع البقل، أقوال أربعة: مجاز في الإسناد، أو في أنبت، أو في الربيع - وسماه السكاكي: استعارة بالكناية -، أو المجموعُ مجازٌ عن المقصود، وذكر الإمام الرازي أنه المجاز العقلي، وإنما لم يجعل المطيرة بمعنى الممطور فيها لأن فعيلة إنما تُجعل بمعنى مفعولة

1 / 167