160

Mazīd Fatḥ al-Bārī bi-sharḥ al-Bukhārī

مزيد فتح الباري بشرح البخاري

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

بِلَيْلٍ)، ولا يقال إنه مرسل لأن القاسم تابعي فلمْ يدرك القصة المذكورة، لأنه ثبت عند النَّسائي من رواية حفص بن غياث وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ﵂: فذكر الحديث. قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا.
وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري: قال القاسم. أي في روايته عن عائشة. وقد وقع عند مسلم من رواية ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثلُ هذه الزيادة وفيها نظر، أو في صحته في كتاب «المدرج»، وتثبت الزيادة أيضًا في حديث أُنيسة الذي تقدمت الإشارةُ إليه.
وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحر، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعي واختاره السبكي في «شرح المنهاج» وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمتولي، قال: وقطع به البغوي، وكلام ابن دقيق العيد يُشْعِر به، فإنه قال بَعدَ أَنْ حكاه: يُرجِّح هذا بأن قوله: (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ) خبرٌ يتعلق به فائدةُ السَّامعين قطعًا، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهًا محتملًا لأنْ يكونَ عند طلوع الفجر، فبيَّنَ ﷺ أنَّ ذلك لا يمنع الأكل، بل الذي يمنعه طلوعُ الفجر الصادق. قال: وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر.
قال شيخنا: ويقويه أيضًا ما تقدمَ من أن الحكمة في مشروعيته التأهبُ لإدراك الصبح في أول وقتها. وصحح النووي في أكثر كتبه أنَّ مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم فقال: قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذِّن ويتربَّصُ بعد أذانه للدعاء ونحوِه، فإذا قارب طلوعُ الفجر نزل فأخبر ابنَ أمَّ مكتوم فيتأهب للطهارة ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول وقت طلوع الفجر. وهذا مع وضوح لمخالفته لسياق الحديث يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل. ووراء ذلك أقوالٌ أخرى معروفة في الفقهيات. انتهى.
قال الكِرماني: قالت الحنفية: لا يسن الأذان قبل وقت الصبح. قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال ليُنبِّه النائم ويَرجعَ القائم لا للصلاة، وقال غيرُه: إنه كان نداءً لا أذانًا، كما جاء في بعض الروايات أنه كان ينادي.
أقول: للشافعية أن يقولوا: المقصودُ بيانُ أن وقوعَ الأذان قبل الصبح، وتقريرُ الرسول ﵊ له، وأما أنه للصلاة أو لِغرضٍ آخر، فذلك بحث آخر. وأما رواية: (كان ينادي)، فمعارَض برواية: (كان يؤذن). والترجيح معنا لأنَّ كلَّ أذانٍ نداءٌ بدون العكس، فالعمل برواية: (يُؤَذِّنُ) عملٌ بالروايتين، وجمْعٌ بين الدليلين، والعكسُ ليس كذلك. انتهى.
قال العيني: أراد الكِرماني أن ينتصرَ لمذهبه ولكن لم يأت بشيء عليه قَبول، فقوله: قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع القائم، هو من كلام الشارع، فإن أراد بذلك الاعتراض عليه فهو باطل. وقوله: لا للصلاة، مسَلَّم
عندهم أيضًا، حتى لو صلى بذلك الأذان صلاة الفجر لا يجوز. وقوله: المقصود بيان أن وقوع الأذان قبل الصبح، فهذا من نازَعَهم فيه، ونحن أيضًا نقول: إنه وقع قبل الصبح، ولكن لا يُعتد به في حق الصلاة. وقوله: وتقرير الرسول ﵇ له، يردُّه قوله ﵇ لبلال: أنْ يرجع فينادي: «ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام». رواه الطحاوي والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ﵄.
فإن قلتَ: قال الترمذي: هذا حديث غيرُ محفوظ، والصحيحُ ما رَوى عبيد الله بن عمر وغيرُه عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم».
قال العيني: ما لحماد بن سلمة، وهو معه، وليس حديثُه يخالف حديث عبيد الله بن عمر، لأن حديثه لإيقاظ النائم ورجع القائم، ولم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يأمره ﵇ بأن يرجع وينادي: «ألا إن العبد نام». وأما حديث حماد بن سلمة فقد كان لأجل غفلة بلال عن الوقت، وعلى كلا التقديرين: أذان بلال لم يكن معتدًا للصلاة.
وقوله: وأما رواية: كان ينادي، فليس كذلك، لأن كلًّا من الأذان والنداء في الحقيقة يرجع إلى معنى واحد، وهو الإعلام، ولا إعلام قبل الوقت. ثم قال الكِرماني: فإن قلتَ: الأذان للإعلام بوقت الصلاة بالألفاظ التي عيَّنها الشارع، وهو لا يَصدق عليه، لأنه ليس إعلامًا بوقتها بأنَّ الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلامًا بأن الوقت دخل أو قرُب أن يدخل. انتهى.
قال العيني: فعلى ما ذكره إذا أذَّنَ عند قُرب وقت صلاةٍ أيِّ صلاة كانت ينبغي أن يُكتفى به ولا يُعاد، ويصلَّى به. ولم يقل به أحد في كل الصلوات. انتهى.
قلتُ: فهذه مكابرة في البين، فإن الشارع خص الصبح بذلك، وقد سبق التنبيهُ على الحكمة فيه. وقد تقدم أيضًا الجواب عمَّا قاله العيني وأطال فيه بما لا تقبله الشافعيةُ منه، فلا نطيل بإعادته مع الإعادات التي وقعت في كتاب الأذان. انتهى.
قال شيخنا: واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين أذانيهما من القرب، ما ذُكِر في حديث عائشة ثبت أنهما كانا وقتًا واحدًا وهو طلوع الفجر، فيخطِئُهُ بلال ويصيبُه ابنُ أم مكتوم. وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي ﷺ مؤذِّنًا واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوعُ ذلك منه نادرًا. وظاهرُ حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنَه وعادتَه والله أعلم. انتهى.
قال العيني: لو اعتمد عليه في أذان الفجر لكان لم يقل: «لا يغرنكم أذان بلال»، وتقريرُه ﵇ إياه على ذلك لم يكن إلا لمعنىً بيَّنه في الحديث، وهو تنبيه النائم ورجْع القائم، لمعان مقصودة في ذلك. انتهى.
قلت: قوله: لا يغرنكم.

1 / 160