214

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

اليمن في فترة الإمام يحيى: محاور لإعادة النظر

اليمن في فترة الإمام يحيى: محاور لإعادة النظر

أرسل العلامة الكبير عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف قصيدة إلى الإمام يحيى مطلعها:

شرفا سموت على الملوك ومفخرا

وعلوت يا يحيى على هام الورى

وبلغت من رتب المعالي رتبة

تركت جميع مراتب العليا ورا

فأجابه الإمام يحيى رحمه الله بقصيدة مطلعها:

ألف السهاد وحاد عن طيب الكرى

من لم يزل في الحادثات مفكرا

وتوسد الأحجار وادرع الأسى

وتفرش الطين الرغام وعفرا

طالما تم تصوير الإمام يحيى حاكما ظالما، مستبدا، يقف عقبة أمام تحديث اليمن، ولا يفهم في السياسة الدولية شيئا. وهذا المعنى ترسخ خلال عقود من غياب الحافز للتعرف على حقيقة تاريخ الإمامة عموما في اليمن، وتجربة الإمام يحيى على وجه الخصوص. وأهم من ذلك تعدد الحوافز السلبية لسياسيين، ومثقفين لإبقاء تلك التجربة في دائرة الظلمات.

إلا أن حقيقة الأمر مختلفة تماما، فالإمام يحيى كان شخصية ذات نزعة استقلالية هائلة، حكم اليمن بالعدل والقانون، وأراد أن يطور البلاد، ولكنه أيضا أراد أن يطورها بغير أن يؤثر على استقلالها البتة. كما إنه كان ذا اطلاع واسع على الأوضاع التي حوله، واختار سياساته الخارجية بناء على تلك النزعة الاستقلالية وعلى فهمه لطبيعة الأوضاع والتوازنات الدولية.

وبالنظر إلى المقولات التي أسهمت في الرؤية السلبية حول الإمام يحيى يظهر إنها اتسمت بسمات متعددة نحو تجريد الحدث من محيطه التاريخي والجغرافي، وإغفال ذكر بعض الحقائق التاريخية الهامة، واختصار الحركة الحضارية في الاستهلاك، واعتمادها الخطاب السياسي المعارض مصدرا أساسيا في تاريخ المرحلة.

وفيما يلي ما يدل على خلاف ما يشاع، وعلى عدل الإمام وتوجهه في بناء اليمن ضمن ظروف وتحديات ومعطيات تلك المرحلة.

حكم الإمام يحيى المحلي

النصوص التي تناولت حكم الإمام يحيى المحلي متعددة، أذكر منها ما قاله الشاعر الكبير البردوني في مقابلة معه والذي كان معارضا لحكم الإمامة عموما:

((الشعب كان يقدس الإمام قداسة مطلقة؛ لأنه قدم لهم الأمن والإيمان. قبل ما يقوم الإمام يحيى كان الناس يجدون عظام الأطفال في الشوارع، ويجد كل واحد غنمه منهوبه. فلما جاء الإمام قالوا: لا إله إلا الله، رقد الإمام الشاة في بطن الذيب وهي آمنة ... )) (رقد = نوم)

ومنها ما قاله معارض آخر لحكم الإمام، والذي كان يرى في وقت ما أن أوجب الواجبات هو القضاء عليه وعلى دولته، أعني القاضي عبدالله عبدالوهاب الشماحي. فقد وصف الإمام يحيى وحكمه في كتابه اليمن الإنسان والحضارة بما خلاصته:

((... فقد وطد الأمن وحكم الشريعة الإسلامية في نفسه وذويه، وحصن المواطن اليمني من أي متسلط غير حكومي، ولم يول الحكم والقضاء وجباية الأموال لقرابة أو محسوبية، بل يتخير الأكفاء الذين يأمن من طموحهم، ويعرف أنهم لا يتجاوزون حكم الظل التابع له، وكان ملتزما للمظاهر الدينية واليمنية، فلا يرى عابثا ولا لاهيا ولا مسرفا في المال والشهوات، قريبا من المواطنين مهتما بمشاكلهم، وحلها دائم الاتصال بهم مسيطرا على بطانته وجهاز حكومته يرهبونه ولا يجدون منفذا إلى الدالة عليه، وكان موهوبا في معرفة الرجال واختيار من يخضع لنظريته ويطبق خطته... ومكنته دراسة نفسية كل قبيلة ومعرفته بافرادها وأحوالهم العامة والخاصة أن يتصل بالجماهير ويربطهم به مباشرة ليس بينه وبين الجماهير صعوبة حجاب تاركا المشائخ والأعيان بعيدين عن الوساطة بينه وبين الجماهير المرتبطين به ارتباط عقيدة مرفقة بالمهابة والاحترام المالئين نفوس الجماهير الذي في وسع كل أحد أن يرى الإمام ظهر كل يوم يؤدي الصلاة في أحد المساجد مع المواطنين الذين لا يحجبهم عن الإمام في صباح كل يوم أي حجاب يبثون إليه شكواهم ويرفعون مظالمهم ويقدمون مطالبهم ونذوراتهم... فذابت الشخصيات البارزة في هدوء وأناة وبلا عنف... ويلاشي نفوذ المشائخ في قبائلهم... وتطلع تلك الوجوه الجديدة التي اختارها يحيى... ومن الاعتراف بالحقيقة أنه بعمله هذا استطاع أن يوحد الجزء المهم من اليمن تحت سلطته المطلقة وأنه لعمل جبار فقد كانت اليمن على أثر الحرب التركية عرضة للتمزق بقيام ما لا يقل عن مائة إمارة ومشيخة وسلطنة...)) أه

وقال الإمام المجتهد مجدالدين بن محمد المؤيدي في رسالة جوابية عن الإمام يحيى:

((لقد عاصرت الإمام المتوكل على الله يحيى بن محمد رضي الله عنهم أيام شرخ الشباب وعاشرته أيام وصولي أنا ومعي المولى العلامة جمال الدين علي بن عبدالله الشهاري والقاضي العلامة الحسن بن محمد سهيل رضي الله عنهم إلى صنعاء سنة أربع وستين وثلثمائه وألف هجرية (1364 ه) وليس لنا غرض إلا زيارة الإمام ومشاهدة أحواله وسيرته ليطمئن القلب كما قال الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم ? لكن ليطمئن قلبي ? ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( ليس الخبر كالمعاين ) وكانت قد ظهرت الإشاعات والقوادح من الحزب الإشتراكي المسمى حزب الأحرار وبعد أن وصلنا شاهدنا من شمائله النبوية وسماته العلوية وخلايقه المرضية ما تقصر عنه العبارات ولا تتسع لشرحه الأوقات فقرت الأعين وصار الحال كما قال:

لما التقينا فلا والله ما سمعت

أذني بأعظم مما أن رأى بصري

ولقد شاهدته بعد طلوع الشمس قي شدة البرد القارص على ما هو فيه من كبر السن وألم النقرس فينبسط للناس يستمع شكاواهم ومراجعاتهم ويصل إليه الصغير والكبير والضعيف والقوي والأرامل واليتامى ويبقى إلى وقت الظهيرة ولقد كنا نتعجب من احتماله للأذى من المناداة والرهج، يتكلم عنده المتكلم بما يريد بلا تحفظ ولا تخوف، ثم يواجه في المكان من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.

ولقد كان اليمن في أيامه في أمن وإيمان وسلام وإسلام واستقرار واطمئنان وإقامة للشرائع والأحكام، هذا ولسنا ننكر أنه كان يصدر من المأمورين أشياء غير مرضية بل ومن بعض أولاد الإمام وأسرته ولكن الذي نعلم أنه ما بلغه منها بطريق صحيحة يغيره بقدر المستطاع.... ))

تواتر بين العام والخاص، أن الإمام كان يجلس يوميا في ساحة داره ليستمع إلى شكاوي الناس. كان يأتي إليه الضعيف، والعاجز، والمرأة، والصبي، فيتواضع لهم، ويتحنن عليهم. ثم إذا جاء وقت الظهر كان يخرج إلى المسجد فيستمع إلى الناس في طريقه، حتى يصلي ثم يعود إلى داره للغداء. بعد ذلك يدخل عليه رجال الدولة فتتم مراجعة كل البرقيات والرسائل من المناطق، ويتم النظر في أمور البلاد، وإحالة كل قضية إلى المختص فيها. هذه العادة واظب عليها إلى يوم استشهاده، وشهد بها القريب والبعيد، والعدو والصديق. حتى في أيام اشتداد مرضه الذي أصاب مفاصله لم يترك عادة استقبال الناس، فكان يحمل حملا إلى ساحة الاستقبال. كان مشهور عنه أخذ الحقوق من الأقوياء، وعدم محاباة أحد من الوجهاء، والانتصار للمستضعفين أيا كانوا. بل قد حكم القاضي أحمد بن أحمد الجرافي على الإمام يحيى ولصالح مواطن يمني بسيط من بيت عنقاد في قضية معروفة ومشهورة ومتداولة وأيضا موثقة.

الإمام يحيى والتحديث

واجه الإمام يحيى تحديات كبيرة في سبيل تحديث اليمن. أكبر تلك التحديات هي حالة الفوضى السياسية التي سادت لما يزيد على مائة سنة، وكون اليمن متخلفة تقنيا، أنهكتها حروب التحرير الطويلة. ومعلوم أن اليمن لم تستعمر، مما يعني أنها لم تستفد من إمكانيات القوى الاستعمارية التي أسهمت في بناء مستعمراتها عبر مئة سنة تقريبا. أضف على ذلك إن الإمام يحيى بعد أن استقل باليمن لم يكن لديه إلا ست وعشرون سنة من الحكم بعد الاستقلال التام، أي من 1922-1948. وقد ذهبت 12 سنة بين 1922-1934 في توحيد اليمن وتوطيد الأمن والاستقرار، ورعاية الحاجات الاجتماعية والإنسانية، وتعزيز هيبة الدولة، وأهم من ذلك كله خلق هوية وطنية يمنية حمت البلاد من أخطار التقسيم في أحلك الظروف وأشدها بعد ذلك. ومن يعرف بعضا من تاريخ اليمن المعاصر والقديم، والقليل من طبيعة البلاد جغرافيا وسكانيا سيدرك تماما حجم الجهود التي لا بد منها لتحقيق تلك الأمور. وعمل في هذه أيضا الفترة على خلق قنوات تعاون بين اليمن وبين الدول الأوروبية أبرزها إيطاليا، ولكن لم تثمر تلك الجهود بالقدر الذي كان يتوقع منها.

أما الفترة الممتدة بين 1934-1948، فقد عمل على مزيد من تعزيز قضايا الأمن والاستقرار والوحدة والعلم والقضاء والحقوق ورعاية المحتاجين والضعفاء، واستنفد كثيرا من جهوده فيها باعتبار أنها الأساس الذي تقوم عليه أي دولة على المدى البعيد. في هذه الفترة استمر في نهجه السابق من العمل على بناء اليمن بالاستعانة بالخبرات الخارجية، إلا أن الحرب العالمية الثانية حالت دون كثير من ذلك.

خلاصة الأمر، أنه لم تكن لديه سنوات استقرار حقيقية إلا خمس قبل الحرب العالمية الثانية، وأربع بعدها.

ثم إن العمل على بناء اليمن كان يجب أن يتم على ضوء الموازنة بين اعتبارات متعددة لعل أبرزها:

* القلق من آثار الانفتاح السريع: خصوصا على ضوء معرفته بما آلت إليه الأمور في الدول التي خسرت الكثير من هويتها واستقلالها بسبب انفتاحها غير المضبوط على الغرب. هذا القلق لم يكن خاصا بالإمام يحيى أو بالزعامات اليمنية، بل كان يكررها عليه أكثر من واحد من الشخصيات العربية التي زارت الإمام يحيى أو كاتبته، والتي كانت ترى أن ما أصابها في بلادها لم يكن إلا وليد انفتاح غير منضبط. اليوم تدرك الشعوب العربية أكثر من غيرها أثر الانفتاح المفاجيء والسريع. تحولت بفعل ذلك إلى قوة استهلاكية أحسن ما تعرفه هو متابعة آخر منتج لاستهلاكه والتمتع بمزاياه.

* حذر الشعب اليمني من الأجانب ومنتجاتهم: ما كان للإمام أن يتجاهل هذه الحقيقة وهو يعمل على فتح البلاد وبنائها بأيدي أجنبية. هذا الأمر له شواهد متعددة أكدها عبدالله البردوني وغيره ممن أرخ لتلك المرحلة.

* تشدد كثير من كبار رجال الإمام من وجود الأجانب وأدواتهم في البلاد: شعر بهذا الأمر كثيرون ممن زاروا الإمام يحيى. ففي تقرير للقنصل الأمريكي في عدن ما نصه : ((الإمام ذكي، متعلم، مطلع على أحوال العالم الخارجي، نشيط جدا، حريص بشدة على جعل بلاده حصينة ومكتفية بذاتها، متدين جدا، وحريص على المنتجات الأمريكية والخبرات الأمريكية... الإمام وفق بعثة كلايتون رجل حكيم ولكن مستشاريه الرجعيين المتشددين والمتصلبين...)). عملت تلك المعارضة على إحباط أكثر من مشروع له، منها مشروع إنشاء كلية للطيران. بل حتى ركوبه السيارة كان يشكل مشكلة بالنسبة لبعض المتشددين. والأمثلة هنا متعددة.

كل ما سبق يضاف إليه التحديات التي فرضها الوجود البريطاني في عدن وفي سائر المنطقة، والممارسات من بعض الأفراد المؤثرة التي كانت تعمل ضد المشاريع التي يسعى لها الإمام يحيى، وهو أمر قد أشار إليه كل من القاضي أحمد عبدالوهاب المجاهد في في كتابه اليمن والإنسان والحضارة، ومحمد أحمد نعمان في كتابه الأطراف المعنية، ودلت عليه برقية محمد الزبيري وأحمد نعمان إلى الرئيس الأمريكي هاري ترومان يرفضون فيها أي اتفاقية بين الحكومة اليمنية وأمريكا على أساس أن الحكومة اليمنية لا تمثل الشعب.

بالرغم من كل ذلك كان للإمام محاولات متعددة لتطوير البلاد، وذلك منذ آواخر العشرينات. منها ما أشارت إليه وثائق الخارجية الأمريكية من:

رغبة الإمام يحيى الحصول على جميع مقومات التنمية من المنتجات الأمريكية، فكان يريد المعدات والمشاريع الزراعية، ومعدات انتاج الأقمشة، ومعدات بناء، ومواد بناء الطرق والسكك الحديدية، وكل ما يمكن تصوره لاستغلال الموارد الطبيعية في اليمن. كل ذلك بقطع النظر عن الثمن لأن الإمام كما تحكي الوثائق يصرح بأن المال ليس عائقا فاليمن غنية، وهو مستعد لأن ينفق أي شيء للدفاع عن اليمن ولتنميتها.

إضافة إلى ذلك كان هناك خطط لتطوير ميناء الحديدة، ولزيادة وصول الماء إلى مناطق مختلفة بواسطة المضخات والطواحين، ودراسات لزراعة مئات الأنواع من النباتات الجديدة، ومشاريع لتوفير أجهزة بناء الطرق.

أيضا الاتفاقية التي وقعها سيف الإسلام الحسين بن الإمام يحيى مع الحكومة اليابانية والتي تضمنت بناء ثلاثة مطارات في صنعاء والحديدة وتعز. وميناءين في الحديدة وفي المخا. وشق طرق بين المدن الرئيسية. وبناء مصانع للحديد والاسمنت... وغير ذلك. واختار الإمام يحيى اليابان لأنها دولة رفعت شعار "الشرق للشرقيين"، وليس لها مطامع استعمارية في المنطقة. قضت الحرب العالمية الثانية على تلك الاتفاقية.

المحاولة الأخيرة والأكثر أهمية على الاطلاق في توجهات الإمام يحيى التنموية هي ما وقعته اليمن مع الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1947، والتي مثلت اتفاقية شاملة لبناء اليمن على مختلف الأصعدة، وكانت ستشكل نقطة انطلاق نوعي لليمن.

إضافة لمحاولات الاستفادة من الخبرات الأجنبية كان الإمام يعمل على إرسال بعثات تعليمية للخارج على أمل أن تسهم في اعتماد اليمنين على أنفسهم. فالتحديث من حيث هو ليس مشكلة وإنما المشكلة في كيفية الحصول عليه. وعبر القاضي الواسعي عن الرغبة في تحديث اليمن ولكن في الوقت نفسه الحفاظ على استقلالها من خلال التعليم في قوله: ((بلغ الفساد من أنفسنا أن صار الكثير منا يعتقد أن لا صلاح لبلادنا بتمهيد طرقه واستخراج معادنه وثمراته وصناعته وتجارته إلا بالأجانب ونكون عيالا عليهم فما لنا لا نتعلم العلوم العصرية والصناعية والزراعية وبعد التعلم يوجد فينا المخترع ويظهر المكتشف وينبغ منا الصانع ونعمل الأسلحة العصرية والذخاير والبوارج الحربية والطائرات...)).

هذا كله على مستوى التقدم التقني. وأما التقدم الاجتماعي فقد كان الإمام يحيى يدرك أن الروح القبلية ستجر البلاد إلى مشاكل عميقة، وكان يعمل على بث روح وطنية مشتركة، لا تميز بين منطقة وأخرى قبليا أو مذهبيا. وفي تحليل لضابط بريطاني بعنوان: "مملكة اليمن وموقعها في الرابطة الدولية" ما يظهر طبيعة النظام المحلي لليمن، والسياسة الدولية للإمام، بل ورؤية الإمام يحيى لمستقبل اليمن محليا ولآلية ضمان الاستقرار فيه: ((عدن سوف تحافظ على القبلية خلافا للوطنية التي يفضلها الإمام)).

وعلى الإجمال نجد أن رجلا مثل السير جيلبرت كلايتون يزور الإمام يحيى فيعجب جدا بالإدارة التي طبقها الإمام، وباستعداده العسكري، وبتنظيمه. كما قال عن تعامل الإمام يحيى للمواطنين بأنها ((أبوية وإنسانية)).

وأما العلم فقد كان الإمام حريصا كل الحرص عليه، ووفق قدراته وإمكانياته، وبخطى متئدة، لا تؤدي إلى القضاء على الهوية الفكرية والدينية للشعب اليمني. وهناك شواهد كثيرة على ذلك أحدها تقرير كتبه هارلان كلارك لمجلة ناشيونال جيوغرافك واصفا زيارة قام بها إلى اليمن (National Geographic) وفيها يقول: ((لقد رأينا أكثر آلاف الطلبة في صنعاء، سوى بعض المئات من البنات اللاتي كن يتعملن في مدارس منفصلة)).

كان يقرر للعالم المعلم والمتعلم مبالغ نقدية. كما كان هناك دار للعلماء والمتعلمين، والمدرسة الحربية، والمدرسة العلمية، ومدرسة دار الأيتام، هذا في العاصمة، ثم هناك المدرسة العلمية بثلا، ومدرسة لتعليم اللغات الأجنبية، وسبعة عشر مدرسة في لواء تهامة، ومدرسة علمية في تعز، وأخرى في زبيد، وغيرها من المدارس الموزعة في مختلف المناطق في اليمن... كما كان يرسل المبلغين إلى المناطق النائية لتعليم الناس الكتابة والقراءة. كما فرض التعليم الإجباري في اليمن. إضافة إلى أنه كان يتعهد بنفسه المدارس العلمية ويناقش بنفسه الطلبة. وأنشأ بعثات علمية إلى الخارج. كما لا ننسى أنه جمع للمدرسة العلمية مكتبة أوقفها لطلبة العلم فيها من كنوز ونفائس المخطوطات، وغير ذلك مما يدل على أن المسار العام كان يتجه نحو العلم والتنوير، ولكن بخطى ومنهج محدد غرضه إبقاء هوية اليمن الدينية والفكرية.

وهناك عدد من الوثائق والنصوص التاريخية والتي تصف الحالة العلمية أو تعكسها، منها المجاميع الأدبية التي وضعها علماء وأدباء تلك المرحلة وتسمى السفن. ففيها ما يدل على حركة علمية وسياسية نشطة، ومتابعة لما يجري في الخارج. ومنها صحيفة الإيمان التي تعكس مضامينها السياسية والفكرية والعلمية والإخبارية طبيعة الاهتمامات آنذاك. وغير ذلك الكثير.

سياسات الإمام يحيى والواقع الدولي

كان الإمام يحيى ذا رؤية دقيقة للواقع الدولي، فلم تكن سياساته الخارجية مجرد حالات انفعالية لرجل بعيد عن العصر وما فيه. بل كانت منطلقة من تصور مؤسس على واقع فعلي. يختلف البعض مع الإمام أو يتفق في ما اختاره من سياسات، ولكن هكذا طبيعة أغلب السياسات الحكومية الخارجية والمحلية، سيكون لديها مؤيد وآخر معارض.

وتظهر الأسئلة التي طرحها الإمام في الحوارات التي دارت بينه وبين عبدالعزيز الثعالبي في 1924 طبيعة المنطلقات للسياسات التي اتخذها الإمام يحيى. من هذه الأسئلة:

((ما هي القواعد التي ترتكز عليها الجامعة العربية؟ وهل في مستطاع العرب أن يؤلفوا حلفا قوميا؟

من هم العرب وأين مواطنهم؟ وهل هناك فرق بين الجامعة العربية والجامعة الإسلامية أم هما شيء واحد؟

أي السياستين أصلح لليمن: سياسة الباب المفتوح أم الباب المغلوق؟

أي الدول الأوروبية يرجى نفع منها ولو قليل للمسلمين؟

أي عمل ينبغي للعرب الشروع فيه قبل غيره؟))

إنها أسئلة كبيرة، والإجابات عليها ليست باليسيرة. طرحها وثم الإجابة عليها يحتاجان إلى عمق في الرؤية، وتقدير كبير للظروف، واطلاع واسع على الأوضاع الدولية. هي أمور اتسم بها الإمام يحيى، وشهد له بذلك أكثر من شخصية ممن قابلته. ويكفي هنا ذكر ما نص عليه رئيس الجانب السوفياتي في المحادثات اليمنية السوفياتية والتي تكللت بتوقيع اتفاقية صنعاء بين اليمن والاتحاد السوفياتي في نوفمبر 1928 ج. استاخوف، والذي قال متحدثا عن الإمام يحيى في مذكراته عن تلك الرحلة إلى اليمن:

((هو في ذلك السن لا يمكن القول بأنه عجوز بالكامل، فهو متحرك، منفعل، مهتم ونشيط في الحديث، يستفسرنا خلال ثلاثين أو أربعين دقيقة دون توقف حول كل شيء: عن صحتنا وكيف وصلنا. وحول كل المشاكل الدولية ، ما ذا يحدث في ألمانيا؟ هل تقوت بعد الحرب؟ ما هو وضع الحكومة في أنجلترا؟ ما هي طبيعة العلاقات بين الاتحاد السوفياتي وتركيا وفارس وأفغانستان ودول الشرق والغرب؟ هل ستستطيع الهند ومصر نيل الاستقلال؟ ما هي طبيعة الوضع في الصين؟ من سينتصر الشماليون أم الجنوبيون؟

يوجه الأسئلة واحدا بعد الآخر، والقاضي راغب (وزير خارجيته، وهو من أصل تركي) واقف في وضع احترام، منحن قليلا ليس دون صعوبة، يكابد مهمته ليس ببساطة كتركي، يترجم كلمات الإمام إلى الفرنسية، وإجابتنا إلى اللغة العربية. وهذه مهمة شاقة لأن الإمام يوجه الأسئلة لا من أجل أن يكتفي بإجابات عامة دون محتوى، بل إنه يعيد الاستفسار أكثر من مرة ويدقق أفكاره. ينصت لإجابتنا باهتمام فائق، ممعنا التفكير فيها بسرعة وفي نفس اللحظة ، ينقل ما تولده هذه الإجابات من تأثير إلى هزات عصبية سريعة للمسبحة ، ومن حين لآخر يضحك بحدة وعصبية ، وكأنه يطمح عن طريق الضحك إكمال ما لم يرد قوله بالكلمات ، وفي هذه اللحظات تهتز قامته المكتنزة قليلا ، تنتقل عيناه بالتناوب من أحد محدثيه إلى آخر.

انظر إلى الوجه الحيوي للإمام ، رغم انتفاخه قليلا، بلحية متموجة وخدود منتفخة. أتعجب من هذا الإنسان الذي قضى كل حياته في جبال وصحاري اليمن، والذي لم يكن ولو مرة واحدة ليس خارج اليمن فقط، بل وحتى في تهامة. هذا الإنسان الذي لم ير البحر والجليد في حياته، ولا البواخر والسكك الحديدية ، ويتضح مدى فهمه لأعقد مشكلات السياسة الدولية إلى هذا الحد أو ذاك، وأبدأ من وقت لآخر الشعور وكأنني طالب معهد يقدم امتحانا في مبادئ السياسة...))

لا شك من أن حكم الإمام يحيى لم يخل من بعض ممارسات أو اجتهادات خاطئة، وناقصة، سواء منه أو من رجال دولته، وهذا ما لا تخلو منه أية ممارسة سياسية مهما كان. لكن إذا ما غضضنا البصر عن تلك الأمور الجزئية، وأخذنا صورة شاملة كلية، بالاستفادة من كتابات ومقولات لأكثر من مؤرخ وشخصية سياسية، بعضهم من معارضي حكم الإمام يحيى؛ فإننا سنجد أن التوجه العام للدولة آنذاك كان يسير نحو التقدم والعزة وإيجاد موقع إقليمي ودولي لليمن من منظور تلك الفترة، ويتناسب مع إمكانياتها الثقافية والمادية. وأن البلاد كانت متجهة بهدوء وثبات نحو مواكبة العصر بثوابت سليمة، دخول المنتج المشارك الفاعل لا دخول المستهلك المتفرج السلبي. وأن اليمن آنذاك كانت دولة آمنة مطمئنة ومستقلة، وذات قوة نسبية جيدة، مكتفية اقتصاديا.

لقد شهد للإمام يحيى الكثير أن حكمه مثل الخلافة الراشدة. بل رأته أطراف من العالم الإسلامي مؤهل لتولي منصب الخليفة بعد سقوط الدولة العثمانية، منهم رشيد رضا، وعبدالعزيز الثعالبي وغيرهم. لكنه رفض فكرة أن يعلن نفسه خليفة على المسلمين معللا ذلك بقوله: ((ماذا يستفيد اليمن إذا أضيف إلى اسمي لقب جديد، وإذا لقبني الناس بإمام المسلمين بدل إمام اليمن؟ وأنا إلى الآن لم أستطع جمع ما تفرق من أجزاء بلادي ولا ضمان ثغورها ضد كل طارق يأتيها من الخارج، وهي معرضة لأخطار كثيرة.)).

كان إماما يتبع، ودولته دولة تحتذى لو سمح لها بالبقاء؛ وأنى لها ذلك بين قوى عالمية تريد القضاء على أي استقرار سياسي لا ينتمي نموذج الحكم فيه إلى نمط التجربة الأوروبية، ولا يريد أن يعيش في فلك الولاء لمصالح القوى المسيطرة على العالم آنذاك.

لقد استقل الإمام يحيى باليمن في أجواء المطامع الاستعمارية للدول العظمى آنذاك، وسعى لتكوين دولة مستقلة وقوية ضمن توجه دولي لخلق كيانات محلية هزيلة. وقف أمام تحديات القوى العظمى، وخصوصا بريطانيا، في مرحلة زهوها وانتشاءها أبان انتصارها في الحرب العالمية الأولى، ورفض أن يضع نفسه في المكان الذي تريده له إذ عمل دوما على تجاوزها وخلق موقع خاص به. وعبر الإمام للقوى العظمى في أكثر من مناسبة أن شرعية حكمه لا ولن يستمدها منهم ولا من اعترافاتهم، وإنما من الشعب اليمني، ومن التاريخ الذي ينتمي له. تحدى إصرار انكلترا على البقاء في الجنوب، ودخل معها في صراع مسلح. لم يتراجع حتى في أصعب الظروف عن موقفه الرافض منحهم ما يريدونه، بالرغم من أنهم كانوا على استعداد بالاعتراف الكامل به في المقابل، حتى قال فيه الإنكليز بحنق: إنه يريد أن يأخذ كل شيء، ولا يعطي شيئا.

ختاما انقل هذه الأبيات من قصيدة للأستاذ أحمد نعمان قالها في الستينيات وهو في السجن:

من ذا يعيد لنا الإمام وجده

وأبا الإمام ومن إليهم ينزع

ما للعباد سواه إلا فتنة

عمياء أو كفر يضل ويصرع

Page 214