209

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

حوار الأسبوع3: الفهم وآليات التأويل والنص

الفهم وآليات التأويل والنص

عبدالله المطيري

ترتكز كثير من الثقافات والتيارات الفكرية على " نصوص " مؤسسة وأولية متضمنة لتصورات معينة عن الكون والحياة والإنسان. وترمي هذه النصوص ، في ما ترمي إليه ، إلى رسم طريق محددة يسير عليها الإنسان من أجل تحقيق أهداف وأحلام غالية عليه يمكن له من خلالها جبر كسره في حياته الحالية وتعويض نواقصه فيها أو العثور على مبرر مسكن لوجوده المتجدد في كل يوم وفي كل لحظة. كما أن هذه النصوص توفر للغالبية المصدر المعرفي الموثوق الذي يلبي لديه حاجة التعرف والبحث.

بعد المرحلة التأسيسية للنص واستقراره تبدأ فعاليته في العمل ويبدأ في التمركز كمرجعية للنظر والتفكير بالنسبة للمعتقدين به بمعنى أن يصبح مهيمنا كمرجعية لكافة التصورات والآراء والأفكار. ومن هنا تبدأ علاقة النص بالفعل وفق جدلية الإمكان والقدرة. ليصبح جزءا أو طرفا في الحراك الواقعي متأثرا ومؤثرا به. أي أن النص ينزل للعمل والتطبيق ويبدأ في مواجهة التغيرات والتحولات في الواقع وتبدأ مسائلته ومحاولة اكتشاف أبعاده أو توظيفه من الذين يعتمدونه.

ليصل النص إلى الفعل فإنه لا بد أن يمر بقناة الفهم ويتفرع من قنوات التأويل حيث يتأثر بها ويؤثر بها في نفس الوقت مما ينتج بعد ذلك " نصا " هو خليط بين " النص " الأول وفعل الفهم والتأويل له. هذه العملية تتكرر باستمرار مع ذات النص ولكن بأفعال فهم أخرى ومسارات تأويل مختلفة مما يسفر عن " نصوص " جديدة تقترب أو تبتعد عن النص الأول. بمعنى أن النص " الواحد " في ظاهره يتعرض للتعدد والتنوع من القراء. النصوص المتولدة تسمى أحيانا التفاسير أو الشروحات والتي تصل في أحيان كثيرة ، بفعل مريديها ، إلى فعالية وأثر النص ذاته.

تصدر الرؤية الكلاسيكية ( التقليدية ) لفعالية النص عن إغفال لتأثر النص بالواقع وعن عملية توليد " نصوص" باستمرار وعن فكرة تجرد الذات عن رغباتها وتصوراتها واستيهاماتها وظروفها حين تصديها للنص فهما وتأويلا وتفعيلا. ومن ثم فهي تراهن على حضور النص الأصلي كما كان في حالته الأولى متترسة خلف سلطته ومشروعيته وساحبة لها على ذاتها. بوصفها ، وكل مدرسة تدعي ذلك ، هي الوحيدة التي تمثل " حقيقة " النص ومعناه النهائي والأصلي وأنها الوحيدة التي حافظت على نقائه وحمته من التدخلات الخارجية. وبالضرورة فإنها تنظر إلى التأويلات والأفهام الأخرى على أساس أنها خارجه عن النص ولا تتصل به بل أنها خطر عليه يجب الوقوف ضده وحاربته.

الفهم ، الذي هو طريق الفكرة إلى الواقع والفعل ، ليس بريئا ولا محايدا كما يعتقد الكثير بل هو صاحب القدر الأكبر من التأثير وصاحب الهيمنة في كثير من الأحيان على ذات النص. هذا الفهم حين يتأسس ويحظى بتقعيد وينظر له يصبح " منهجا " خاضعا لحيثيات متعددة ليس أقلها السياسية والأيديولوجية ولعبة الصراعات والمصالح. ولعل هذا ما يفسر لنا الصور المتعددة لذات النص. وكذلك يمكن أن يفسر عمليات الإخفاء والتجاهل والتغاضي التي تمارسها كثير من التيارات والمذاهب " النصية " مع أجزاء من النص ذاته.

ولذا يرى الكثير من الباحثين أن الانهمام بدراسة المناهج وطرق التأويل والفهم للنصوص هو الأقدر على فهم التيارات والمذاهب والفرق ، حيث تضع هذه الدراسة كل الظروف والتداخلات تحت النظر مما يعطي تصور أكثر واقعية وقرب مما لو تصورنا الأمر أن الحلقة متصلة ومباشرة بين النص والفعل. وبالتالي فإن ما يميز التوجهات الفكرية والمذاهب ليس بالدرجة الأولى المرجعيات النصية أو النصوص المؤسسة بقدر ما هو المنهج القابع خلف عمليات الفهم والقراءة لذلك النص.

هل يقع النص أسيرا للمنهج وفقا لهذه الرؤية ؟ يذهب هذا التحليل إلى هذه النتيجة ويدعمها من خلال النظر إلى كثير من التجارب المندرجة في هذا السياق. لو أخذنا المدارس الإسلامية مثلا وحاولنا قراءة تفاعلها مع النص القرآني لاتضحت هذه الصورة أكثر. نجد أن الفلاسفة المسلمين قد تعاملوا مع النص القرآني على خلاف ما تعاملت به المدرسة السلفية فحين بدا منفتحا ورحبا ومجازيا عند الفلاسفة فإنه بدا ذو دلالات محددة وواضحة ومربوطة بالفهم الأول عند السلفية. كما يمكن أن نلاحظ أن دلالات القرآن عند المتكلمة هي غيرها عند المتصوفة والباطنية وهكذا. وقبل ذلك وخلال النزاع السياسي الأول كان القرآن الكريم هو مرجع الخوارج كما كان مرجعا لمناوئيهم في نفس الوقت وهذا ما عبر عنه علي بن ابي طالب حين قال " أن القرآن حمال أوجه ".

في سياق آخر ، مسيحي هذه المرة ، نجد أن النص المقدس ذاته يبدو منغلقا ومعيقا في المدارس الشرقية الأرثوذوكسية وفي حقبة القرون الوسطى عند الكاثوليك بينما نجده منفتحا خلاقا متسامحا في القراءة البروتستانتية . فذات النص كان راية للحروب الصليبية حينا فيما أصبح رمزا للسلام والتسامح في أحيان أخرى. مالفرق ؟ إنه المنهج ، منهج القراءة والفهم. هذا المنطق ينطبق أيضا على الفلسفات والمذاهب الفكرية ، فالماركسية مثلا ، المتأسسة على نصوص كارل ماركس ، قد أخذت اتجاهات متباينة ومتنوعة حتى أن كارل ماركس نفسه تبرأ من كثير من التأويلات اللاحقة لنظرياته الفلسفية.

في السياق العربي الإسلامي هناك حاجة ماسة لمراجعة فكرية واسعة تشمل كل التوجهات الفكرية ، خصوصا منها ذات التأثير الواسع في المجتمع كالتيارات الدينية واسعة الحضور والأثر. تنطلق هذه الحاجة من عجز الفكر الحالي عن الإجابة على الأسئلة الحالية التي يفرضها الواقع المرير للإنسان في هذه المنطقة التي تبدو شاذة عن التطورات التي يشهدها العالم بأسره. هذه المراجعة رغم معيقاتها السياسية والاجتماعية ورغم أخطار الغلو والتطرف والعنف إلا أنها لا تهتم ، إلا في حالات محدودة ، بنقد المناهج التي تقبع خلف تلك القراءات وتوجها. وبالتالي فإنها تبقى في حدود القشور لا تكاد تتجاوزها إلى لب الإشكال والمعضلة.

إذا تم لنا أن المشكلة هي مشكلة فهم ومنهج فإن هذا سينقل جل تفكيرنا إلى العقل بوصفه آلة الفهم والتأويل ومؤسس المناهج وسنكتشف بالتالي فقر ما لدينا في هذا المجال ، فالفلسفة التي هي فعل العقل لم تكن في مرجعا للتفكير والفهم في جل المذاهب ذات الأثر والفعالية في ساحة الفكر العربي والإسلامي كل ما لدينا أفراد لم تتكون معهم مدارس مستمرة تؤسس لمنهج عقلي في التفكير يمكن أن يخرج هذا الفكر من حالة ركوده وعقمه الحالية.

Page 209