206

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

حوار الأسبوع 2: الاجتهاد عند الإسلاميين المعاصرين

الاجتهاد عند الإسلاميين المعاصرين: موقفهم من حد الردة مثالا.

سعود السرحان

المقدمة

إن القارئ لتاريخ ظهور الفرق العقدية والمذاهب الفقهية في الإسلام سيلاحظ أن التاريخ الإسلامي مرت به مرحلة انتشرت فيها الفرق العقدية والمذاهب الفقهية بصورة كبيرة ملفته للنظر بدءا من نهاية القرن الأول الهجري وطغت على القرن الثاني وجزء كبير من القرن الثالث(1) ، ثم أخذت بالانحسار والتوحد والتكتل والاندماج حتى استقرت المذاهب العقدية والفقهية الإسلامية في مذاهب كبرى محدودة الأصول في القرنين الرابع والخامس.

فما سبب هذا الانتشار الكبير للفرق والمذاهب ثم حصول الانحسار واندثار أكثرها؟

هناك أسباب كثيرة تقبع وراء هذه الظاهرة، وسأكتفي بتسليط الضوء على سبب واحد من هذه الأسباب.

فالمناطق التي شملها حكم الإسلام كانت تخضع لأفكار دينية مختلفة وبعد دخولها في الدولة الإسلامية بقيت فيها أكثرية غير مسلمة منها اليهود والمسيحيون بطوائفهم المختلفة والمتناحرة والمانوية والزرادشتية والبوذية والعرب بماديتهم البسيطة وغيرها، وكان كل دين أو مذهب يخضع لمنظومة فكرية مختلفة عن الآخر، فبعضهم كان يرى التقدم للفصاحة والبلاغة اللغوية(2) ، والآخر يرى أن المرجع هو الحس، وثالث يراه العقل الأرسطي، ورابع يراه الغنوص (العرفان)، وخامس وسادس(3).

وكان لهذه الأديان أثرها الواضح في ظهور الفرق الإسلامية وفي مناهجها في التفكير والاستدلال.

ولعل هذا يفسر سبب الانتشار الكبير للفرق العقدية والمذاهب الفقهية في تلك الفترة، فلم يكن تأثير تلك الأديان والفلسفات على الفرق الإسلامية يكمن في تبنيها مقالات ورثتها أو تسربت إليها من الأديان القديمة، بل تجاوز التأثير إلى أمر أهم من ذلك وهو تشكيل وصياغة منهج للتفكير تحاكم به الأشياء، وهذا ما يعني عدم وجود (مرجعية فكرية) واحدة تحاكم إليها الاختلافات وإليها يرجع في معرفة المقبول والمردود من الأقوال، فمع أن جميع الفرق قالت بحجية القرآن الكريم إلا أنها لم تستطع الاجتماع على منهج واحد مقبول لتفسير آياته الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه "للتأويل".

وشهد ذلك العصر ظهور جهود كثيرة تسعى إلى ضبط منهج الاستدلال، ووضع مرجعية يتحاكم إليها في فهم القرآن، وأهم هذه الجهود وأعمقها أثرا هو ما قدمه الإمام الشافعي من تأسيس لعلم أصول الفقه، فالشافعي المتوفى في أول القرن الثالث الهجري (204ه) أول من بين بصورة منظمة طرق فهم القرآن والاستدلال به، بالإضافة إلى استدلاله على ما يراه صوابا من حيث الاحتجاج بالسنة، والإجماع، والقياس، وقول الصحابي وغيرها من المسائل التي كان النزاع قائما حول حجيتها.

لقد بدأ علم أصول الفقه بتحديد الأصول التي تشكل مصادر للتلقي، ومناهج وطرق الاستنباط من هذه الأصول وفهمها، وهو في دراسته للأصول والمناهج لا يقتصر على تلك التي يرى صحتها بل يتجاوز ذلك إلى نقد الأصول والمناهج المرفوضة والضعيفة التي ترى بعض الطوائف والمذاهب صحتها.

أي أنه يصبح ما يمكن تسميته "سياجا تأويليا"(4) يقوم بعملية "اندماجية" يقبل فيها طرق الاستدلال الخاضعة للآليات التأويلية المقبولة (عند علماء الأصول)، كما يقوم بعملية "إقصائية" يستبعد فيها كل طرق الاستدلال الخارجة عن هذه الآليات التي كانت تحدد العقلانية الإسلامية.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يطرح هو: هل هذا السياج ما يزال نافعا اليوم؟ أم أنه أصبح عبئا على العقلانية الإسلامية التي أنتجته؟

في الجواب عن هذا السؤال: يلحظ المتابع لمسيرة الفكر الإسلامي أن هذا السياج التأويلي بدأ يضيق عن احتواء الإشكالات التي وجدها أمامه؛ وقد دعا ذلك علماء الأصول إلى محاولة توسيع هذا السياج بالاهتمام ببعض المسائل التي يرون أنها تساعد في احتواء الإشكالات الجديدة، كاهتمام الشاطبي المالكي بمسألة "المقاصد"، والطوفي الحنبلي"بالمصلحة"، والقرافي المالكي في تمييزه بين مقامات النبوة أو تصرفات النبي، صلى الله عليه وسلم، وغيرها.

لكن هذه المحاولات جميعها لم تكن من الوفرة والقوة بحيث تتمكن من توسيع السياج بالقدر الكافي؛ لأنها تنويعات وتطويرات كمية وليست نوعية.

وبالعودة إلى الأصلين الأساس اللذين استمد منهما علم أصول الفقه كينونته، وهما: علم الكلام وعلم اللغة؛ يمكن تلمس الأزمة التي يمر بها علم أصول الفقه والفكر الإسلامي عموما. ففي علم الكلام اعتمدت القضايا الأساس في هذا العلم (مثل وجود الله وصفاته وأفعاله وباقي المسائل) على قضايا في الفلك والفيزياء والمنطق؛ مثل حقيقة الوجود والعدم وطبائع الأشياء وصفاتها (الجواهر والأعراض) وغيرها، وهذه القضايا تسمى عند الأشاعرة "المقدمات"، وعند المعتزلة "لطيف الكلام"، وعند الشيعة والفلاسفة الإسلاميين "الفلسفة الأولى"، وتشكل هذه القضايا ما نسبته 75

تقريبا من مسائل علم الكلام، ودونت تلك القضايا وفق المعارف التي كانت متوافرة في عصرهم، وهي معارف ما قبل نيوتن، ونحن اليوم نعي العالم وتلك القضايا بصورة مختلفة، حيث نعيش في عصر ما بعد أينشتاين.

وكذلك اللغة: فوعي الإنسان المعاصر باللغة والخطاب وكيفية فهم النص لم يعد هو وعي سيبويه أو الشافعي، وقد تطورت اليوم أساليب وآليات جديدة في كيفية دراسة النص، والنص المقدس على وجه الخصوص، فما توصل إليه علم "الهيرمونيطيقيا" أصبح ضرورة لكل فقيه ومتكلم وأصولي وباحث في الفكر الإسلامي.

وهنا ملاحظة أخيرة أسجلها وهي وجود بعض الباحثين والمفكرين الذين سعوا لتوظيف العلوم الحديثة في دراسة النص، إلا أن هؤلاء الباحثين والدارسين مثل: محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، كان اطلاعهم ومعرفتهم بالتراث الإسلامي ضعيفة، وكذلك لم تكن دراساتهم محايدة بل كانت موجهة لتوظيف النص لنتائج محددة سلفا.

وفي سبيل دراسة الآفاق التي وصل إليها الفكر الإسلامي المعاصر اخترت دراسة المواقف التحديثية لبعض الفقهاء والمفكرين المعاصرين من مسألة (حد الردة)، وذلك لأسباب منها:

1- اعتراف المفكرين الإسلاميين بأن هذه المسألة تعتبر "إشكالية" في الفكر الديني.

2- علاقتها الوثيقة بقضية "حرية الاعتقاد"، وهي إحدى القيم المهمة في العصر الحديث.

3- أن هذا الحد لم يرد إلا في السنة النبوية، ولم يرد في القرآن الكريم؛ فما مدى التجديد الذي وصل إليه المفكرون في قضية السنة النبوية رواية ودراية؟

وفي هذا البحث قسمت الفقهاء الذين حاولوا تقديم رؤية تجديدية في هذه المسألة إلى ثلاثة تيارات حسب ما توصلوا إليه من نتائج.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

التيار الأول

يذهب أتباع هذا التيار إلى أن حد الردة حد شرعي ثابت بالسنة النبوية، حيث وردت أحاديث صحيحة عن عدد من الصحابة منهم: ابن عباس وأبو موسى ومعاذ وعلي وعثمان وابن مسعود وعائشة وأنس وأبو هريرة ومعاوية بن حيدة. وهو قول جمهور العلماء.

إلا أن هؤلاء جمعوا بين هذا الحكم الشرعي وبين حرية الاعتقاد التي يرونها أصلا من أصول الإسلام بالتفريق بين نوعين من الردة، وهما:

* النوع الأول: الردة المغلظة، أو الردة المعلنة، وهي أن يعلن الإنسان عن ردته وكفره، ويصرح بها في أقواله أو كتاباته، ويدعو إليها، فهذا مرتد يجب على ولي الأمر استتابته ثم قتله.

* النوع الثاني: الردة المخففة، أو الردة السرية، وهي أن لا يعلن الإنسان عن ردته وكفره، بل يسرهما في نفسه، ويمارس ردته في الخفاء، فهذا يبقى في حرز {لا إكراه في الدين}.

ويستدلون على تفريقهم هذا بدليلين، من الأثر ومن النظر:

الدليل الأول: ما رواه عبد الرزاق والبيهقي من أن أنسا عاد من (تستر) فقدم على عمر فسأله: ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين، قتلوا في المعركة. فاسترجع عمر. قال أنس: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أودعتهم السجن. وهو قول النخعي والثوري.

الدليل الثاني: ما ذهب إليه الجمهور من أن علة القتال في الجهاد هي الحرابة، فتكون علة قتل المرتد هي الحرابة، وهذا لا يكون في المرتد الذي يسر ردته، لكنه يصح في المرتد الذي يجهر بردته ويدعو إليها. ووجه اعتبار إعلانه بردته ودعوته إليها محاربة للإسلام، لأنه يحارب الإسلام بلسانه وبقلمه وهي محاربة أنكى من الحرب باليد، فالمستعلن بردته عن الإسلام، داخل المجتمع الإسلامي، خارج على جماعة المسلمين بكل مقوماتها الدينية والوطنية والسياسية، صرح بذلك أو لم يصرح، لذا فقد صار عميلا للقوى الاستعمارية التي تتربص بالمسلمين وبلادهم الشر.

هذا التيار يمثله مجموعة من الفقهاء الذين يصنفون ضمن تيار الوسطية، من أمثال الدكتور يوسف القرضاوي (5) ، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (6).

ولو أردنا تفحص مقولات هذا التيار، ومدى انطباقها على مقولات التنوير؛ فسيمكن ملاحظة الآتي:

1- التسليم بحجية السنة النبوية، وفهم أحكامها على أنها أحكام مطلقة قطعية الدلالة.

2- حرص أتباع هذا التيار على عدم الخروج عن أقوال الفقهاء، واكتفوا بانتقاء الأقوال الأكثر تسامحا داخل المنظومة الفقهية التقليدية، أي قاموا بعملية انتقاء واختيار من داخل المدارس الفقهية وأقوال السلف.

3- لو نظرنا بجدية إلى أقوال هذا التيار نجد أنه لا فائدة عملية منها، فهم يرون قتل المرتد المعلن بردته الداعي إليها، وعدم قتل المسر بردته، وهذا أمر لا معنى له، فالمسر بردته لا يمكن معرفته، مما يعني عدم إمكانية تطبيق الحكم عليه أصلا.

4- لم يقدم المنتمون إلى هذا التيار أي تجديد أو إعادة قراءة لمفهوم الردة، فالردة عندهم ليست مقصورة على من ينتقل عن الإسلام إلى دين آخر كاليهودية أو المسيحية، بل هي تشمل -عندهم- من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام أو أنكر شيئا من المعلوم من الدين بالضرورة، وبالتالي فهم يعدون العلمانيين والشيوعيين من المرتدين.

5- إشكالية هذا التيار الكبيرة تكمن في الحكم بردة بعض المثقفين والكتاب والمفكرين، فعندما يتهم أحد الكتاب والمفكرين بالردة بسبب قصيدة كتبها أو رواية أو كتاب ألفه، فإنه وفق تأصيل أتباع هذا التيار لا يدخل في حرز {لا إكراه في الدين}، بل هو مرتد داعية إلى ردته، خارج عن جماعة المسلمين، صرح بذلك أم لم يصرح!

6- يغفل أتباع هذا التيار أنهم بطريقتهم هذه يشجعون، من حيث لا يشعرون، انتشار النفاق بين الناس، ويحاربون الشجاعة في طرح الأفكار والاجتهادات ومناقشتها التي تؤدي إلى نفخ روح التجدد في الفكر الديني وإعطائه الصلابة والقوة.

التيار الثاني

يرى أنه ليس في القرآن دليل على قتل المرتد، بل إن فيه دليلا على عدم قتل المرتد؛ فقد قال تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليكم سبيلا} وروى ابن جرير عن مجاهد أن هؤلاء الناس كانوا يأتون النبي، صلى الله عليه وسلم، فيسلمون رياء، فيرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان، يبتغون أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا.

وما ورد من الأحاديث في قتل المرتد؛ فيجيبون عنها بأنها تندرج تحت مسألة أصولية وهي: "نسخ القرآن بالسنة" وهي مسألة فيها خلاف، والتحقيق أن القرآن لا ينسخ بالسنة كما قال الشافعي ومن تبعه.

ويستدل بعضهم بأن قتل المرتد حد من الحدود الشرعية، والحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد.

إلا أن هؤلاء يرون قتل المرتد إذا كان يقاتل المسلمين أو خارجا عن طاعة الحكومة.

ويمثل هذا التيار المنتمون إلى مدرسة الشيخ محمد عبده مثل محمد رشيد رضا (7)، ومحمود شلتوت(Cool، ولو تفحصنا ما يقوله هذا التيار، فيمكن أن نخلص إلى بعض النتائج، ومنها:

1- كان موقفهم من السنة النبوية أكثر تحررا من التيار الأول فهم لا يرون أن الحدود تثبت بأحاديث الآحاد، ولا أن السنة النبوية تنسخ القرآن الكريم.

2- كما كان واضحا في موقف هؤلاء تأثرهم بقيم الحداثة الأوروبية، وسعيهم إلى تأكيد أن الإسلام يحافظ على حرية الاعتقاد، ويحمي حق الإنسان في الإيمان.

3- إلا أن الملاحظ على هذا التيار هو تركيزهم على النتيجة وعدم الاهتمام بالتأصيل العلمي لها؛ مما أدى إلى ضعف استمراره وتأثيره.

ويوضح هذا أن موقفهم من السنة النبوية مضطرب ولا يخضع لمقياس دقيق؛ فبينما نراهم يقبلون مرسل مجاهد في سبب نزول آية: {فإن اعتزلوكم....}، وهو يندرج في قسم الضعيف عند المحدثين، نراهم يردون مجموعة من الأحاديث في قتل المرتد الوارد بعضها في الصحيحين. وهذا يدل على أن تعاملهم مع السنة كان تعاملا نفعيا لا يخضع لمقياس علمي دقيق.

كذلك قولهم بأن الحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد، وهو قول قد يكون (تجديدا) في تطبيق الحدود، إلا أنه تجديد كمي وليس نوعيا، بمعنى أنه يخفف من حدة الإشكالية لكنه لا يقدم حلا نهائيا لها، لا سيما إذا عرفنا أن بعض الفقهاء ادعوا التواتر المعنوي في أحاديث قتل المرتد.

كما لا يفوتنا ملاحظة أن الشيخ شلتوت حين طرح هذه النظرية (وهي أن الحدود لا يقبل فيها حديث الآحاد) فإنه قدمها دون أن يسعى لإثباتها، وتقديم الأدلة على صحتها، حتى يتسنى للباحثين قبولها.

4- أتباع هذا التيار -أيضا- انحصرت جهودهم في محاولة التجديد في حد الردة، لكنهم انساقوا خلف ما قرره الفقهاء حول مفهوم الردة، فالردة عندهم بالإضافة إلى كونها تعني التصريح بالانتقال من دين الإسلام إلى دين آخر؛ فإنها تشمل إنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو ارتكاب ما يدل على الاستخفاف والتكذيب(9).

5- وقع أتباع هذا التيار في تناقض في تعريفهم للردة، فهم كما سبق يعتبرون مجرد الخروج عن الإسلام أو إنكار شيء من المعلوم من الدين بالضرورة ردة، وعند تعاملهم مع الأحاديث الواردة في قتل المرتد يفسرون الردة بأنها محاربة الإسلام.

التيار الثالث

يذهب أتباع هذا التيار إلى أن الإسلام كفل حرية الاعتقاد للناس جميعا، وأن القرآن لم يضع عقوبة دنيوية للمرتد، ويحتجون على ذلك بأدلة، فمنها:

أولا: أن القرآن الكريم ذكر الردة ذكرا صريحا في أكثر من موضع، ولم يرتب عليها عقوبة دنيوية.

ثانيا: أن القرآن الكريم أوضح، بما لا يدع شكا، في مئات الآيات أن المعول في قضية الإيمان هو القلب والإرادة، وصرح بأن ليس للأنبياء من دخل في هذا بضغط أو قسر، وأنه لا إكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

ثالثا: أن النبي لم يقتل مرتدا لمجرد ارتداده، على كثرة المنافقين الذين كفروا بعد إيمانهم.

رابعا: أن الردة في عهد النبي وأصحابه ارتبطت بمعادة الإسلام وأهله وحربهما، وما ورد من أحاديث في قتل المرتد فينبغي أن يحمل على هذا المعنى من الردة، وهو الردة السياسية.

ويمثل هذا التيار جمال البنا (10)، وعبد الرحمن حللي (11)، وغيرهما، ويخالف البنا الفقهاء في تعريفهم للمرتد؛ حيث يعترض على تكفيرهم من جحد معلوما من الدين بالضرورة، وكذلك على قولهم باستتابة المرتد، ويقول: "وهاتان الإضافتان، فقهيتان قلبا وقالبا، معنى ومبنى، ولا نجد لهما ذكرا في قرآن أو سنة، بل إنهما يجافيان تماما روح الإسلام ويرفضهما كل من لديه حس إسلامي أصيل تكون في النفس ثمرة لقراءة القرآن ومطالعة السيرة، والشيء الوحيد الذي أقحمهما في كتب الفقه هو "فنية الحرفة الفقهية" ورغبة الفقهاء في أن يكون فقههم شاملا كاملا لا يفلت صغيرة ولا كبيرة، والوصول بما أرسوه من أصول ومبادئ إلى غايتها، وأن الأوضاع أوقفتهم موقف حماة القانون والنظام وليس دعاة حرية الفكر والعقيدة" (12).

ومما يمكن لنا أن نلاحظه على هذا التيار:

1- أنهم اعتمدوا على النصوص القرآنية في سعيهم إلى تأصيل مفهوم "حرية الاعتقاد"، وقد جعلوا هذه الحرية أصلا يرجعون باقي النصوص إليه.

2- لا يختلف الفقهاء القائلون بقتل المرتد عن أتباع هذا التيار في أن المعول في قضية الإيمان هو القلب، فهم لا يقولون بإكراه الناس على الإيمان، ولا يقولون بصحة إيمان المكره، لكن مناط الخلاف بين الفريقين هو فيمن دخل في الإسلام طائعا ثم خرج منه، فالفقهاء يقولون بقتله.

3- حاول أتباع هذا التيار التعامل بشيء من التاريخية مع الأحاديث الواردة بقتل المرتد؛ حيث ذكروا أن الردة في عهد النبي وأصحابه ارتبطت بمعاداة الإسلام وأهله وحربهما، وأن ما ورد من أحاديث في قتل المرتد فينبغي أن يحمل على هذا المعنى من الردة. وبغض النظر عن صحة هذه الدعوى (13) أو عدمها؛ فإنه يمكن أن تعكس المسألة بأن يقال: إن الحكم الشرعي الثابت هو قتل المرتد، أما عمل النبي بعدم قتل المرتد فيرجع إلى "السياسة الشرعية" لأن الإسلام كان في بدايته، والمسلمون في حالة ضعف، ولهذا لم يقتل النبي المنافقين مثل عبد الله بن أبي بن سلول، فهذا التصرف من النبي لا يلغي الحكم الشرعي بقتل المرتد بعد زوال المانع.

4- كان موقفهم من السنة مضطربا، حيث تجاهلوا الأحاديث (= السنة القولية) القائلة بقتل المرتد، وفي الوقت ذاته احتجوا بما ظنوه دليلا من السنة الفعلية بأن النبي لم يقتل مرتدا لمجرد ارتداده، كما لا بد من الانتباه إلى أن أتباع هذا التيار في تأصيلهم لحرية الاعتقاد اعتمدوا على النصوص القرآنية فقط وحيدوا النصوص النبوية.

الخاتمة والتعليق

تم تأسيس علم أصول الفقه والفقه الإسلامي في لحظة انتصار وقوة، فالفتوحات كانت في أوج نشاطها، والدولة الإسلامية أكثر قوة وتقدما من باقي الأمم في العالم القديم، ولهذا انطبع الفقه الإسلامي بطابع الدولة الغالبة والأمة المنتصرة، وما تمليه من تعاليم وقوانين.

إلا أنه وبعد تراجع دور الدول الإسلامية، وتحول العالم الإسلامي إلى الطرف المهزوم والضعيف بعد أن كان منتصرا قويا، أصبحت هناك مفارقة في كيفية تعامل الأمة المهزومة مع تراث كتبه المنتصرون، وكيف تتعايش الأمة الضعيفة مع تراث كتبه الأقوياء!

إن تراجع دور الأمة الإسلامية ترافق معه تعاظم دور الأمم الغربية التي برزت كأمة منتصرة جديدة، وزاد من قوة الأمم الغربية أن العلم الحديث التي ظهر من رحمها، وهي التي حضنته وقادت النهضة الصناعية والإلكترونية الحديثة. ومع هذه الحضارة الجديدة ظهرت قيم جديدة، انصبغت بصبغة الحضارة الغربية، وتحولت هذه القيم إلى قيم عالمية بفضل تبني الحضارة الغالبة لها، ومن هذه القيم الحديثة: "حرية الاعتقاد".

لقد أصبحت الحضارة الحديثة والقيم المرتبطة بها ركيزة أساسا في التفكير اليوم، فبعد أن كان الشافعي يرى أن اللغة (= البيان) كفيلة في فهم النص؛ أصبح الفقيه أو المفكر اليوم لا يستطيع أن ينظر إلى النص بعين إلا وينظر بالعين الأخرى إلى القيم التي أفرزتها الحضارة الحديثة، وقد يميل بعض المفكرين إلى الفقه القديم، ويحاول بعضهم أن يجمع بين الفقه القديم وبين القيم الحديثة ولو كان جمعا ظاهريا، وقد يحاول بعضهم الانتصار للقيم الحديثة على حساب الفقه القديم، وقد ينتصر للفقه القديم ضد الحداثة، لكنه، في جميع الأحوال، لا يمكن أن يهمل ما نتج عن الحضارة الحديثة من قيم.

وكانت (مسألة الردة) مثالا لتعارض الفقه القديم مع قيم الحداثة الغربية (أو العالمية)، ودرسنا في هذا البحث ثلاثة تيارات تعاملت مع هذه القضية أو (الإشكالية)، حيث يلحظ على التيار الأول (الذي يمثله القرضاوي والبوطي) أنه قام بعملية انتقاء بين أقوال الفقهاء، مع التزامه بعلم أصول الفقه التقليدي. أما التيار الثاني (الذي يمثله رشيد رضا وشلتوت) فلم يلتزم بأقوال الفقهاء كما أنه قام بعملية تلفيق بين مسائل أصول الفقه، حيث يستدل بقاعدة أصولية عامة ويحاول تنزيلها (بدون تدقيق) على مسائل جزئية منتقاة. أما التيار الثالث: فقد حاول الخروج على المنظومة الفقهية التقليدية، مع تشديده على احترام النصوص، إلا أنه لم يقدم رؤية جديدة في كيفية التعامل مع النصوص، وتطوير طريقة الاستدلال.

إن سبب الانتقائية بين أقوال الفقهاء التي وقع فيها التيار الأول، والانتقاء بين قواعد أصول الفقه التي وقع فيها التيار الثاني، وما وقع فيه التيار الثالث من محاولة للخروج على منظومة الفقه القديم= هو تأثير القيم الحديثة على طريقة فهم وتعامل الفقهاء والمفكرين مع النصوص الدينية.

إن الصدمة من جراء الاتصال بالحضارة الحديثة التي أصابت الفكر الإسلامي أدت إلى اضطراب في آلية التعامل مع النصوص (فكما سبق هناك مفارقة بين تعامل أمة ضعيفة مع تراث كتبته أمة منتصرة، بالإضافة إلى تغير العالم والواقع بين الحاضر وبين ما كان عليه عند كتابة الفقه ووضع أصوله)، ومن أمثلة هذا الاضطراب في مسألة الردة:

1- الانتقاء في التعامل مع نصوص القرآن الكريم، فعند تأصيلهم لقضية "حرية الاعتقاد" من القرآن الكريم؛ قاموا بعملية انتقائية، حيث استدلوا بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، وقوله: {لست عليهم بمسيطر}، وقوله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}. وتجاهلوا آيات تدل ظواهرها على خلاف هذه الآيات، كقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}، وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}.

2- الاضطراب في التعامل مع السنة النبوية، فمع أن النتيجة العملية لما سبق عرضه من أقوال في قضية الردة هو عدم الأخذ بالأحاديث الواردة في قتل المرتد (التياران الثاني والثالث)، إلا أن المنتمين إلى هذين التيارين يصرحون باحترام الأحاديث النبوية وأنهم يأخذون بها، لذا فقد قاموا ب"تأويل" لهذه الأحاديث وأنزلوها على أمر آخر غير "الردة" وهو "المحاربة". وهذا يعكس المأزق الذي يمر به الفكر الإسلامي الحديث في تعامله مع السنة النبوية، فالمحدثون من علماء الإسلام وضعوا معيارا دقيقا (وفق معارف عصرهم) للتمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، والأصوليون وضعوا قواعد لكيفية التعامل مع الأحاديث الصحيحة. لكن الفقهاء والمفكرين المعاصرين عجزوا عن تطوير علم السنة رواية ودراية، والاستفادة من مناهج التاريخ الحديثة لتجديد علم الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف، فضلا عن تقديم نظرية في كيفية التعامل مع السنة النبوية.

3- النظرة التجزيئية للتراث الإسلامي، فهؤلاء الباحثون ينظرون إلى المسألة التي يدرسونها معزولة عن باقي مسائل الفقه الإسلامي، ولم ينتهوا إلى أن الفقه الإسلامي يتمتع بوحدة تحكم كل جزئياته مهما بدا أنها بعيدة عن بعضها، فعندما يوظف الفقيه أو المفكر قاعدة أصولية في مكان ما فإن هذا سيؤثر على باقي المسائل الفقهية المتعلقة بهذه القاعدة، وقد كان الفقهاء السابقون متنبهين لهذه الوحدة ولذا ألفوا كتب "الأشباه والنظائر" (14) في الفقه، وكتب "الفروق" (15)، وحذروا من عملية الانتقاء التي تؤدي إلى بناء فقهي مهزوز، وهي التي أسموها "التلفيق" (16).

إن ما سبق لا يعني فشلا تاما للفكر الإسلامي المعاصر في قدرته على تطوير أصول الفقه وإنتاج فقه إسلامي جديد قائم على قواعد وأصول علمية متينة، ولكنه يعني أننا ما نزال في بداية الطريق، ونحتاج إلى دراسات علمية جادة تتفهم تراثنا القديم، وتكون محيطة بالفكر الحديث؛ بحيث تستطيع تقديم نظريات مهمة في تجديد الفقه وأصوله تكون بمستوى ما ينطوي عليه التراث من فضائل ومستوى الفكر الحديث.

الهوامش:

1.دراسة بعض الكتب التي صنفت في أواخر المائة الثالثة مثل كتاب: مقالات المسلمين واختلافات المصلين، تأليف: الإمام الأشعري، وفرق الشيعة، تأليف: الحسن بن موسى النوبختي، توضح صحة هذا الادعاء.

2.عندما قدم وفد تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، طلبوا أن يفاخروه ففاخر شاعرهم الزبرقان بن بدر شاعر النبي حسان بن ثابت، وخطيبهم عطارد بن حاجب خطيب النبي ثابت بن قيس، فغلب شاعر النبي شاعرهم، وخطيبه خطيبهم، فقال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له! لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا.

3.كان أبو منصور العجلي يسمي نفسه "الكسف"، ويزعم أن آل محمد هم السماء، وشيعتهم هم الأرض، وهو الكسف الساقط من بني هاشم، وأنه هو المقصود في القرآن في قوله تعالى: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم}. فالدراس اليوم عندما يجد أن استدلال منصور هذا كان يلقى قبولا واستطاع أن يكون أتباعا له؛ فإنه يعني وجود منظومة استدلالية أو آلية فكرية كانت تقبل مثل هذا النوع من الأدلة وطرق التفكير.

4. حول مفهوم "السياج التأويلي" تمت الاستفادة من : محمد الحداد، محمد عبده قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني، ط دار الطليعة، الطبعة الأولى 2003م، ص 13- 14.

5. د.يوسف القرضاوي، جريمة الردة وعقوبة المرتد في ضوء الكتاب والسنة، ط مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 1996م.

6.د. محمد سعيد رمضان البوطي، الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه، ط دار الفكر، الطبعة الثانية 1997م.

7. محمد رشيد رضا، الفتاوى، السؤال رقم 16.

8. محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، ط دار الشروق، الطبعة السادسة 1992م، ص 280- 281.

9. المرجع السابق.

10. جمال البنا، حرية الاعتقاد في الإسلام، ضمن الإسلام وحرية الفكر، ط دار الفكر الإسلامي، 1999م، ص 35- 43.

11. عبد الرحمن حللي، حرية الاعتقاد في القرآن الكريم، ط المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2001م، ص 105- 128.

12.جمال البنا، حرية الفكر والاعتقاد في الإسلام، ضمن الإسلام وحرية الفكر، ص 159.

13.في رأيي أن هذا الادعاء غير صحيح، فالنبي أمر بقتل بعض المرتدين ولم يكونوا محاربين مثل ابن أبي السرح. وانظر: ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ص 168. وكذلك قتل معاذ بن جبل رجلا يهوديا أسلم ثم ارتد، وذكر معاذ أن ذلك قضاء الله ورسوله، وأحرق علي بن أبي طالب بعض الغلاة. انظر: البخاري، الجامع الصحيح، كتاب: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.

14. انظر مثلا: الأشباه والنظائر في مذهب أبي حنيفة النعمان، تأليف: ابن نجيم، والأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، تأليف: السيوطي، وغيرها كثير.

15. انظر مثلا: الفروق، أو أنوار البروق في أنواء الفروق، تأليف: القرافي المالكي.

16. انظر مثلا: التحقيق في بطلان التلفيق، تأليف: السفاريني الحنبلي

Page 206