النفقات
حديث اليوم باب من الفقه. لا، لن أسرد عليكم الأحكام سردًا، ولن أفتح الكتاب وأقرأ عليكم؛ فالكتب عندكم ويستطع من شاء أن يقرأ فيها. ولكني أثبت لكم أن فقهنا الإسلامي كنز لا ينفد، وأنه نبع للخير في كل زمان ومكان، وأنه هو وحده الذي يحقق العدالة الاجتماعية، التي صدعوا رؤوسنا بترديد اسمها، ولم نجد عندهم أثرًا من رسمها.
هذا الباب هو باب النفقات، وإذا سمحتم قلت لكم كيف انتبهت إليه.
كنت سنة ١٩٤١، من خمس وعشرين سنة، قاضيًا في منطقةٍ في الشام اسمها جبل القلمون. وكانت تلك السنة من أشد السنوات على الناس؛ فهي سنة شدة الحرب وعضتها، قد قلّت الأقوات وعم الضُّر، وكانت هذه المنطقة -بطبيعتها- أرضًا جبلية قليلة الزرع والضرع، يعيش أهلها على الهجرة إلى أميركا، فلم تكن أسرة تخلو من مغترب موسر، وسائر أفراد الأسرة فقراء.
ولقد ألهمني الله أسلوبًا في الجمع والتوزيع سميته «مشروع الرغيف»، اتبعناه في هذه القرى فنجح وقلدونا فاتبعوه في الشام؛ وهو أن نوكل من يدور كل صباح على البيوت، فيجمع من بيوت الموسرين والمتوسطين رغيفًا رغيفًا (والرغيف سهل عطاؤه، لا سيّما على هؤلاء الناس الذين تعودوا