وهذا يوافق قول من يقول لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفرًا لا يكتفي مجرد قصده المسافة التي هي سفر وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه، وابن حزم يحد مسافة القصر بميل لكن داود وأصحابه يقولون: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو، وابن حزم يقول إنه يقصر في كل سفر، وابن حزم عنده أنه لا يفطر إلا في هذه المسافة وأصحابه يقولون إنه يفطر في كل سفر بخلاف القصر لأن القصر ليس عندهم فيه نص عام عن الشارع وإنما فيه فعله أنه قصر في السفر ولم يجدوا أحدًا قصر فيما دون ميل، ووجدوا الميل منقولًا عن ابن عمر.
وابن حزم يقول السفر هو البروز عن محلة الإقامة، لكن قد علم أن النبي ﷺ خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولم يفطروا فخرج هذا عن أن يكون سفرًا ولم يحدوا أقل من ميل يسمى سفرًا؛ فإن ابن عمر قال لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة فلما ثبت أن هذه المسافة جعلها سفرًا ولم نجد أعلى منها يسمى سفرًا جعلنا هذا هو الحد، قال: وما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه ولا يفطر، وإذا بلغ الميل فحينئذ صار له سفر يقصر فيه الصلاة ويفطر فيه فيمن حينئذ يقصر ويفطر وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فإنه يتم ليس في سفر يقصر فيه.
قلت: جعل هؤلاء السفر محدودًا في اللغة قالوا: وأقل ما سمعنا أنه يسمى سفرًا هو الميل وأولئك جعلوه محدودًا بالشرع وكلا القولين ضعيف، أما الشارع فلم يحده، وكذلك أهل اللغة لم ينقل أحد عنهم أنهم قالوا: الفرق بين ما يسمى سفرًا وما لا يسمى سفرًا هو مسافة محدودة،