210

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

وقد قال الامام أحمد رضى الله عنه: أنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو فى نظيرها، فانه لما فتحت البلاد وانتشر الاسلام، حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأى فى مسائل قليلة. والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون اليه إذ هم أهل الإجماع فلا إجماع قبلهم، لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح: اقض بما في كتاب الله فإن لم تجد فما في سنة رسول الله فإن لم تجد فما به قضى الصالحون قبلك، وفى رواية: فيما أجمع عليه الناس، وعمر قال: قدم الكتاب ثم السنة، وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر قدم الكتاب ثم السنة ثم الإجماع، وكذلك ابن عباس كان يفتى بما في الكتاب ثم بما في السنة، ثم بسنة أبى بكر وعمر لقوله: ((اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر)).

وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء وهذا هو الصواب، ولكن طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد بأن ينظر أولا في الإجماع فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصاً خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم الإجماع نسخه.

والصواب طريقة السلف، وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذاك منسوخ، فاما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ فهذا لا يوجد قط، وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه، واضاعة ما أمرت باتباعه، وهى معصومة عن ذلك.

210