بمرسَلات " سعيدِ بن المسيب " ﵄، فإنها وُجِدتْ مسانيدَ من وجوه أُخَرَ، ولا يختصُّ ذلك عنده بإرسال " ابن المسيَبِ " كما سبق.
ومَنْ أنكر هذا زاعمًا أن الاعتماد حينئذٍ يقع على المسنَدِ دونَ المرسَل ِ، فيقع لغوًا لا حاجةَ إليه؛ فجوابُه: أنه بالمسنَدِ يتبينُ صحةُ الإِسنادِ الذي فيه الإِرسالُ حتى يُحْكَمَ له مع إرسالِه بأنه إسنادٌ صحيحٌ تقومُ به الحجة، على ما مهَّدنا سبيلَه في النوع الثاني. وإنما يُنكِرُ هذا مَنْ لا مذاقَ له في هذا الشأنِ.
وما ذكرناه من سقوطِ الاحتجاج ِ بالمرسَل والحكم بضعفِه، هو المذهبُ الذي استقر عليه آراءُ جماهير حُفَّاظ الحديثِ ونُقَّاد الأثَرِ (١)، وتداولوه في تصانفيهم.
(١) مقدمة ابن أبي حاتم لكتابه (المراسيل: ١٣) باب ما ذكر في الأحاديث المرسلة أن لا تقوم بها حجة.
= من يُقْبَلُ عنه " ثم قال الشافعي بعد ذلك بكلام: " ومن نظر في العلم بخبرةٍ وقلةِ غفلة، استوحشَ من مُرسَل كلِّ مَن دونَ كبارِ التابعين، بدلائلَ ظاهرةٍ فيها. قال له القائل: فلم فرقتَ بين كبارِ التابعين والمتقدمين الذين شاهدوا أصحابَ رسول الله ﷺ، وبين من شاهد بعضَهم دونَ بعض؟ قال الشافعي ﵀: فقلت: لِبُعدِ إحالةِ من لم يشهد أكثَرهم. قال: فلم لا تقبلُ المرسَلَ منهم ومن كلِّ ثقةٍ دونهم؟ فقلت: لما وصفتُ ".
ومُرادُ " الشافعي " بالذين شاهدوا أصحابَ رسول ِ الله ﷺ: أي شاهدوا كثيرًا منهم، وبالذين شاهدوا بعضًا دون بعض: أي شاهدوا قليلًا كما تقدم في: أبي حازم، ويحيى بن سعيد، بل والزهري أيضًا. وإذا علمتَ ما تقدم في كلام " الشافعي " ظهر لك قصورُ من قال في اعتراضاته: وزعم " النوَويُّ " أن المرسَلَ إذا صحَّ مخرجُه بمجيئه من وجهٍ آخرَ مسندًا أو مرسَلا أرسله آخرُ غير رجال ِ الأول، كان محتجًّا به ويتبين بذلك صحةُ المرسَل، وأنهما صحيحان لو عارضَهما صحيحٌ من طريقٍ رجحناهما عليه إذا تعذر الجمعُ ".
ثمَّ يُعْتَرَضُ بأن الوجهَ الآخرَ المرسَلَ غيرُ مقبول ٍ ضُمَّ إلى غيرِ مقبول، ووجهُ ظهور قصورِه نِسبتُه إلى زَعْم ِ النووي، وهو نصُّ الإِمام الشافعي كما سبَق، والاعتراضُ عليه قد سبق نظيرُه وجوابُه - انتهى " ١٦ / و- ١٧ / ظ.
- قوبل على (الرسالة للإِمام الشافعي) رواية الربيع بن سليمان المرادي: ١٩٨ - ٢٠١ والتقريب للنووي: ١/ ١٩٨ وانظر تبصرة العراقي ١/ ١٥٠.