209

Muqaddimat Ibn al-Ṣalāḥ wa-maḥāsin al-Iṣṭilāḥ

مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح

Editor

د عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أستاذ الدراسات العليا، كلية الشريعة بفاس، جامعة القرووين.

Publisher

دار المعارف.

...........................................................................................................................

= فحدَّث حديثًا منقطعًا عن النبيِّ ﷺ اعتُبِر عليه بأمورٍ منها: أن يُنظَرَ إلى ما أرسل من الحديث؛ فإن شَرَكَه فيه ألفاظُ المأمونين فأسندوه إلى رسول ِ الله ﷺ بمثل معنى ما رَوَى؛ كانت هذه دلالةً على صحةِ من قبل عنه وحفظه. وإن انفرد بإِرسال حديث لم يَشْرَكْه فيه من يُسنِدُه؛ فيعتبر عليه بأن يُنظَر: هل يوافقه مُرسَلُ غيره ممن قُبِلَ العلمُ عنه من غيرِ رجاله الذين قبل عنهم؟ فإن وُجِدَ ذلك كانت دلالةً تُقوِّي له مُرسَلَه، وهي أضعفُ من الأولى، فإن لم يوجَد ذلك نظر إلى ما يروَى عن بعض ِ أصحابِ النبي ﷺ قولًا له يوافقُه، فإن وجده يوافِقُ ما روِي عن النبي ﷺ؛ كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسَلَه إلا عن أصل ٍ يصحُّ. قال الشافعي: وكذلك إن وُجِدَ عَوامٌّ من أهل ِ العلم يُفْتُونَ بمثل معنى ما روي عن النبي ﷺ، ثم نعتبر عليه بأن يكونَ إذا سَمى مَن رَوى عنهم لم يُسمِّ مجهولا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيُستدل بذلك على صحتِه فيما يروى عنه. قال الشافعي: ويكون إذا شَرك أحدًا من الحُفَّاظ في حديثٍ لم يخالفه، فإن خالفه ووجدَ حديثُه أنقصَ؛ كانت في هذه دلائلُ على صحةِ مخرج حديثِه. ومتى خالف ما وصفتُ أضرَّ ذلك بحديثه، حتى لا يسعَ أحدًا منهم قبولُ مُرسَلِه. وإذا وُجِدت الدلائلُ بصحةِ حديثه بما وصفتُ؛ أحببنا أن نقبل مرسلَه، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتَها بالمتَّصل؛ وذلك أن معنى المنقطع مُغيَّبٌ يحتمل أن يكون حُمِلَ عمن يُرغَبُ عن الرواية عنه إذا سُمِّي، وأن بعضَ المنقطعاتِ وإن وافقه مرسَل مثلهِ، فقد يحتمل أن يكون مخرجُهما واحدًا من حيث لو سُمِّي لم يُقبَل، وأن قولَ بعض ِ أصحاب النبي ﷺ إذا قال برأيه أو وافقه؛ لم يدل على صحةِ مخرج الحديثِ دلالةً قويةً إذا نُظر فيها، ويمكنُ أن يكون إنما غلطَ به حين سمع قولَ بعض ِ أصحاب النبي ﷺ، ويحتمل مثلُ هذا فيمن يوافقه من بعض الفقهاء ".
قال الشافعي ﵀: " فأما مَنْ بعد كبارِ التابعين الذين كثُرت مشاهدتُهم لبعض ِ أصحابِ النبي ﷺ؛ فلا أعلم منهم واحدًا يُقْبَلُ مُرسَلُه، لأمورٍ: أحدها: أنهم أشدُّ تجوزًا فيمن يروون عنه، والآخر أنهم يوجد عليهم الدلالةُ فيما أرسلوا بضعفِ مخرجه، والآخرة كثرة الإِحالة في الأخبار، وإذا كثُرت الإِحالة في الأخبارِ كان أمكَنَ للتوهُّهم وضعفِ =

1 / 209