95

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

تمسكوا به من وجوه : الأول : ان كل من كان فعله اشرف وأكمل , وكانت النعمة الصادرة عنه أعلى وأفضل , كان استحقاقه للحمد أكثر , ولا شك أن أشرف المخلوقات هو الإيمان , فلو كان الإيمان فعلا للعبد , لكان استحقاق العبد للحمد أولى وأجل من استحقاق الله له , ولما لم يكن كذلك , علمنا أن الإيمان حصل بخلق الله - تعالى - لا بخلق العبد . الثاني : أجمعت الأمة على قولهم : : الحمد لله على نعمة الإيمان ' ؛ باطلا , فإن حمد الفاعل على ما لا يكون فعلا له باطل قبيح ؛ لقوله تعالى : { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } [ آل عمران : 188 ] . | الثالث : أن قوله تعالى : ' الحمد لله ' يدل ظاهره على أن كل الحمد لله , وانه ليس لغير الله - تعالى - حمد أصلا , وإنما يكون كل الحمد لله تعالى إذا كان كل النعم من الله تعالى , والإيمان أفضل النعم , فوجب أن يكون الإيمان من الله تعالى . | الرابع : أن قوله : ' الحمد لله ' مدح منه لنفسه , ومدح النفس قبيح فيما بين الخلق , فلما بدأ كتابه بمدح النفس , دل ذلك على أن حاله بخلاف حال الخلق , وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق , وذلك يدل على أنه - تبارك وتعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله على أفعال العباد . | الخامس : عند المعتزلة أفعاله - تعالى - يجب أن تكون حسنة , ويجب أن تكون لها صفة زائدة على الحسن , وإلا كان عبثا , وذلك في حقه تعالى محال , والزائدة على الحسن إما [ أن تكون ] واجبة , وإما أن تكون من باب التفضل . | أما الواجب فهو مثل إيصال الثواب , والعوض إلى المكلفين . | وأما الذي يكون من باب التفضل , فهو مثل أنه يزيد على قدر الواجب على سبيل الإحسان . | فنقول : هذا يقدح في كونه - تعالى - مستحقا للحمد , ويبطل صحة قولنا : الحمد لله . | وتقريره أن نقول : أما أداة الواجبات , فإنه لا يفيد استحقاق الحمد , ألا ترى أن من كان له على غيره دين دينار , فاداه , فإنه لا يستحق الحمد , فلو أوجبنا على الله تعالى فعلا , لكان ذلك الفعل مخلصا [ له ] عن الذم , ولا يوجب استحقاقه للحمد . | وأما فعل التفضل فعند الخصم أنه يستفيد بذلك مزيد حمد ولو لم يصدر عنه ذلك الفعل , لما حصل له الحمد , فإذا كان كذلك كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره , وذلك يمنع من كونه - تعالى - مستحقا للحمد والمدح . | السادس : قوله : الحمد لله يدل على أنه - تعالى - محمود , فنقول : استحقاقه للحمد والمدح إما أن يكون أمرا ثابتا لذاته , فإن كان الأول , امتنع ثبوته لغيره , فامتنع - أيضا - أن يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق الذم ؛ لأن ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه , فوجب ألا يجب للعباد عليه شيء من الأعواض والثواب , وذلك يهدم أصول المعتزلة . | وأما القسم الثاني - وهو أن يكون استحقاق الحمد لله ليس ثابتا لذاته - فنقول : فيلزم منه أن يكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره , وذلك على الله - تعالى - محال . | أما قول المعتزلة : إن قوله : ' الحمد لله ' لا يتم إلا على قولنا ؛ لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبيح في فعله , ولا جور في قضيته , ولا ظلم في أحكامه , وعندنا أن الله - تعالى - كذلك ؛ فكان مستحقا لأعظم المحامد والمدائح . أما على مذهب الجبر لا قبيح إلا وهو فعله , ولا جور إلا وهو حكمه , ولا عبث إلا وهو صنعه ؛ لأنه يخلق الكفر في الكافر , ثم يعذبه عليه , ويؤلم الحيوانات من غير أن يعوضها , فكيف يعقل على هذا التقدير كونه مستحقا للحمد ؟ | وأيضا ذلك الحمد الذي يستحقه الله - تعالى - بسب الإلهية ؛ إما أن يستحقه على العبد , أو على نفسه , فغن كان الأول وجب كون العبد قادرا على الفعل ؛ وذلك يبطل القول بالجبر . | وإن كان الثاني كان معناه أن الله تعالى يجب عليه أن يحمد نفسه ؛ وذلك باطل , قالوا : فثبت أن القول لا يصح إلا على قولنا . |

فصل هل وجب الشكر يثبت بالعقل أو الشرع ؟

اختلفوا في أن وجوب الشكر ثابت بالعقل أو بالسمع . | من الناس من قال :

إنه ثابت بالسمع , لقوله تبارك وتعالى : { وما كنا معذبين حتى ? نبعث رسولا } [ الإسراء : 15 ] , ولقوله تبارك وتعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ? لله حجة بعد ? لرسل } [ النساء : 165 ] . | ومنهم من قال : إنه ثابت قبل مجيء الشرع , وبعد مجيئه على الإطلاق ؛ والدليل عليه قوله تبارك وتعالى : ' الحمد لله ' وبيانه من وجوه : | الأول : أن قوله تعالى : ' الحمد لله ' يدل على أن هذا الحمد حقه , وملكه على الإطلاق , وذلك يدل على أن ثبوت هذا الاستحقاق كان قبل مجيء الشرع . | الثاني : أنه تعالى قال : { ? لحمد لله رب ? لعالمين } [ الفاتحة : 2 ] ؛ وقد ثبت في [ أصول ] الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب , يدل على كون الحكم معللا بذلك الوصف , فها هنا أثبت الحمد لنفسه , ووصف نفسه بكونه رب العالمين رحمانا رحيما بهم , مالكا لعاقبة أمرهم في القيامة , فهذا يدل على أن استحقاق الحمد ثابت - لله تعالى - في كل الأوقات , سواء كان قبل مجيء النبي , أو بعده . |

فصل

قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : تحميد الله - تعالى - ليس عبارة

Page 177