385

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا , وعلموا أنهم لو ابتعوا محمدا لانقعطت عنه تلك الهدايا , فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحتقر . | قال القرطبي : في تفسيره : هذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل , فهي تتناول من فعل فعلهم , فمن أخذ رشوة على تغيير حق , أو إبطاله , أو امتنع من تعليم ما وجب عليه , أو أداء ما علمه , وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا , فقد دخل في مقتضى الآية . | وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ' يعني : ريحها . | وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم , فمنع ذلك الزهري , وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب , فلا يؤخذ عليها أجره كالصلاة والصيام . | واستدلوا بالآية وروى أبو هريرة قال : قلت : يارسول الله ما تقول في المعلمين ؟ قال : ' درهمهم حرام , وشربهم سحت وكلامهم رياء ' . وروى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة , فأهدى إلي رجل مهم قوسا , فقلت : ليست بمال [ وأرمي ] عنها في سبيل الله , فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ' إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها ' . وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك , والشافعي , وأحمد , وأبو ثور , وأكثر العلماء , لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الرقية : | ' إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ' أخرجه البخاري , وهو نص [ برفع الخلاف , فينبغي أن يعول عليه ] . | وأما حجة [ المخالفين ] فقياسهم في مقابلة النص , وهو قادر , ويمكن الفرق , وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل , وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم , فيجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن . | قال ابن المنذر , وأبو حنيفة : يكره تعليم القرآن بأجرة , ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم , فيجوز الإجارة فيما هو معصية , ويبطلها فيما هو طاعة . | وأما الآية فهي خاصة ببني إسرائيل , وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟ فيه خلاف , وهو لا يقول به , ويمكن أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم , فأبى حتى يأخذ عليه أجرا . | فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك , وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه , ولا على عياله , فلا يجب عليه التعليم , وله أن يقبل على صنعته وحرفته . [ وأما أحاديثهم فلا يصح منها شيء في الدليل ] . | { س 2 ش 42 ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } | أمر بترك الإغواء والإضلال وإضلال الغير له طريقان : | أحدهما : أن يكون لغير قد سمع دلائل الحق , فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش دلائل الحق عليه بالشبهات . | والثاني : أن تخفي تلك الدلائل عنه , وتمنعه من الوصول إليها فقوله : { ولا تلبسوا ? لحق ب ? لباطل } إشارة إلى الأول , وقولهك { وتكتموا ? لحق } إشارة إلى الثاني . | والباء في قوله : ' بالباطل ' للإلصاق كقولك : ' خلطت الماء باللبن ' , أي : لا تخلطوا الحق بالباطل , فلا يتميز . | وقال ' الزمخشري ' : إن كانت صلة مثلها في قولك : ليست الشيء بالشيء , وخلطته به كان المعنى : ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم . | وإن كانت ' باء ' الاستعانة كالتي في قولك : ' كتبت بالقلم ' كان المعنى : و لا تجعلوا الحق مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه . | فأجاز فيها وجهين كما ترى , ولا يريد بقوله ' صلة : انها زائدة , بل يريد أنها موصلة للفعل كا تقدم . | وقال ' أبو حيان ' : ' وفي جعله إياها للاستعانة بعد , وصرف عن الظاهر من غير ضرورة ' , ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحق ؟ | وقال ابن الخطيب : [ إنها ' باء ' الاستعانة ] . والمعنى : ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين , وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال , ثم إنهم كاناو يجادلون فيها , ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات , فهذا هو المراد بقوله : { ولا تلبسوا ? لحق ب ? لباطل } , فهو المذكور في قوله : { وجادلوا ب ? لباطل ليدحضوا به ? لحق } [ غافر : 5 ] . | و ' اللبس ' : الخلط والمزج ؛ لقوله : لبست عليه الأمر ألبسه خلطت بينه بمشكله ؛ ومنه قوله الخنساء : [ البسيط ] . | 436 ترى الجليس يقول الحق تحسبه | رشدا وهيهات فانكر ما به التبسا

صدق مقالته واحذر عداوته | والبس عليه أمورا مثل ما لبسا

Page 20