300

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

أحدها : أنه - تعالى - لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول : ' كيف تكفرون بالله ' موبخا لهم , كما لا يجوز أن يقول : كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك كله من خلقه فيهم . | وثانيها : إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار , وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار , فكيف يصح أن يقول موبخا لهم : ' كيف تكفرون ' ؟ . | وثالثها : أنه - تعالى - إذا قال للعبد كيف تكفرون بالله , فهذا الكلام إما أن يكون موجها للحجة على العبد , وطلبا للجواب منه , أو ليس كذلك , فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة , فيكون هذا الخطاب عبثا , وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد , فللعبد أن يقول : حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر . | فالأول : أنك علمت بالكفر مني , والعلم بالكفر يوجب الكفر . | والثاني : أنك أردت الكفر مني , وهذه الإرادة موجبة له . | والرابع : أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر . | والخامس : أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر . | والسادس : أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر . | ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر , فالإيمان متوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان , وهي بأسرها كانت مفقودة , فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سببا واحد منها مستقل [ بالمنع من الإيمان ] ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة فكيف يعقل أن يقال : كيف تكفرون بالله ؟ وآيات أخر تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى . | والجواب عن هذا ان الله - سبحانه - علم أن لا يكون , فلو وجد [ لانقلب عليه ] جهلا , وهو محال , ووقوعه محال , وأيضا فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدرا للإيمان على التعيين إلا لمرجح , وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال , وإن كان من الله , فلما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر , وإذا حصل ذلك امرجح وجب , وعلى هذا يعقل قوله : ' كيف تكفرون ' قاله ابن الخطيب . | قوله : ' وكنتم أمواتا فأحياكم ' ' الواو ' الحال , وعلامتها أن يصلح موضعها ' إذ ' . [ والجملة في ] موضع نصب على الحال , ولا بد من إضمار ' قد ' ليصح وقوع الماضي حالا . | وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف صح أن يكون حالا , وهو ماض ؟ | قلت : لم تدخل ' الواو ' على ' كنتم أمواتا ' وحده , ولكن على جملة قوله : ' كنتم أمواتا ' إلى ' ترجعون ' كأنه قيل : كيف تكفرون بالله , وقصتكم هذه , وحالكم أنكم كنتم أمواتا في أصلاب آبائكم , فجعلكم أحياء , ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم بعد الموت , ثم يحاسبكم ؟ . ثم قال : فإن قلت : بعض القصة ماض , وبعضها مستقبل , والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقع حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ما هو حال عنه , فما الحاضر الذي وقع حالا ؟ | قلت : هو العلم بالقصة كأنه قيل : كيف تكفرون , وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها ؟ | قال أبو حيان ما معناه : هذا تكلف , يعني تأويله هذه الجملة بالجملة الاسمية . قال : والذي حمله على ذاك اعتقاده أن الجمل مندرجة في حكم الجملة الأولى , قال : ولا يتعين , بل يكون قوله تعالى : ' ثم يميتكم ' وما بعده جملا مستأنفة أخبر بها - تعالى - لا داخلة تحت الحال , ولذلك غاير بينها وبين ما قبلها من الجمل بحرف العطف , وصيغة الفعل السابقين لها في قوله : ' وكنتم أمواتا فأحياكم ' . | و ' الفاء ' في قوله ' فأحياكم ' على بابها من التعقيب , و ' ثم ' على بابها من التراخي ؛ لأن المراد بالموت الأول العدم السابق , وبالحياة الأولى الأولى الخلق , وبالموت الثاني الموت المعهود , وبالحياة الثانية الحياة للبعث , فجاءت الفاء , و ' ثم ' على بابهما من ' التعقيب ' والتراخي على هذا التفسير , وهو أحسن الأقوال . | ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد , والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن البعث . | قال ابن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية , وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما , وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين , ثم الإحياء في الدنيا , ثم الإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر , وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها , والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم الدنيا . | وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا , ثم أحياه في الدنيا . | وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم , ثم أخرجكم من ظهره كالذر , ثم يميتكم موت الدنيا , ثم يبعثكم . | وقيل : كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال , وأرحام النساء , ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم , ثم يميتكم بعد هذه الحياة , ثم يحييكم في القبر للمسألة , ثم يميتكم في القبر , ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر وهي الحياة التي ليس بعدها موت . | قال القرطبي : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات , وثلاث إحياءات , وكونهم موتى في ظهر ابن آدم , وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال , وأرحام النساء , فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات . | وقد قيل : إن الله - تعالى - أوجدهم قبل خلق آدم - عليه الصلاة والسلام - كالهباء , ثم أماتهم , فيكون هذا على خمس موتات , وخمس إحياءات , وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلوا النار , لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون , ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة , فجيء بهم ضبئر ضبئر , فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ' الحديث . | قال : فقوله : ' فأماتهم الله ' حقيقة في الموت , لأنه أكده بالمصدر , وذلك تكريما لهم . | وقيل : يجوز أن يكون ' أماتهم ' عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم , ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة , والأول أصح , وقد أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازا , وإنما هو على الحقيقة , كقوله : { وكلم ? لله موسى ? تكليما } [ النساء : 164 ] , على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . | وقيل : المعنى : وكنتم أمواتا بالخمول , فأحياكم بأن ذكرتم , وشرفتم بهذا الدين , والنبي الذي جاءكم , ثم يميتكم فيموت ذكركم , ثم يحييكم للبعث . |

Page 484