Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
{ س 2 ش 23 / ش 24 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } | اعلم أنه سبحانه لما أقام الدلائل القاطعة على إثبات الصانع , وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة , ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزا أقام الدلالة على كونه معجزا . واعلم أن كونه معجزا يمكن بيانه من طريقين : | الأول : ألا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : | إما أن يكون مساويا لكلام الفصحاء , أو زائدا على كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة , أو زائدا عليه بقدر ينقض العادة , والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث . | وإنما قلنا : إنهما باطلان ؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يأتوا [ بمثل سورة منه ] إما مجتمعين , أو منفردين , فإذا وقع التنازع , فالشهود والحكام مزيلون الشبهة وذلك نهاية الاحتجاج ؛ لنه كان من معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية , وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال , وارتكبوا المهالك والمحن , وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق , فكيف الباطل , وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله , فلما لم يأتوا بمثلها علمنا عجزهم عنها , فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم , وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا , فهو إذن تفاوت ناقص للعادة , فوجب أن يكون معجزا . | والعم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثير , تدل على أنه أبلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية لها : | أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات مثل وصف بعير , أو فرس , أو جارية , أو ملك , أو ضربة , أو طعنة أو وصف حرب , أو وصف غارة , وليس في القرآن شيء من هذا , فكان يجب على هذا ألا يحصل فيه شيء من الفصاحة , التي اتفقت العرب في كلامهم عليها . | وثانيها : أنه - تعالى - راعي فيه [ طريقة ] الصدق , وتنزه عن الكذب في جميعه , وكل شاعر ترك الكذب , ولزم الصدق زكي شعره , ألا ترى لبيد بن ربيعة , وحسان بن ثابت لما أسلما زكي شعرهما , [ ولم يكن شعرهما ] الإسلامي في الوجوه كشعرهما في الجاهلية , والقرآن مع لزوم الصدق وتنزهه عن الكذب بلغ الغاية في الفصاحة كما ترى . | وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح في القصيدة كلها , إنما هو بيت أو بيتان والباقي ليس كذلك , وأما القرآن فكله فصيح , فعجز الخلق عن بعضه كما عجزوا عن جملته . | ورابعها : أن كل من وصف شيئا بشعر , فإن كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول , وأما القرآن ففيه تكرار كثير , وهو في غاية الفصاحة , ولم يظهر التفاوت أصلا . | وخامسها : أنهم قالوا : شعر امرئ القيس يحسن عند الطرب , وذكر النساء , وصفة الخيل , وشعر النابغة عند الخوف , وشعر الأعشى عند الطلب , ووصف الخمر , وزهير عند الرغبة والرجاء , وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن , ويضعف كرمه في غيره , والقرآن جاء فصيحا في كل الفنون . وسادسها : أن القرآن أصل للعلوم كلها , فعلم الكلام كله في القرآن , وعلم الفقه مأخوذ من القرآن , كذا علم أصول الفقه , وعلم النحو , واللغة , وعلم الزهد في الدنيا , وأخبار الآخرة , واستعمال مكارم الأخلاق . | وأما الطريق الثاني : أن يقول : القرآن لا يخلو إما أن يكون بالغا في الفصاحة إلى حد الإعجاز , أو لم يكن , فإن كان الأول ثبت أنه معجز , وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة , فعدم إتيانهم بالمعارضة , مع توفر داعيهم على الإتيان بها , أمر خارق للعادة , فكان ذلك معجزا , فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه . | ' إن ' حرف شرط يجزم فعلين : شرطا وجزاء , فلا تقول : ' إن غربت الشمس ' . | فإن قيل : فكيف قال هاهنا : { وإن كنتم في ريب } , وهذا خطاب مع الكفار , والله تعالى يعلم أنه في ريب , وهم يعلمون ويقرون أنهم في ريب , ومع ذلك فالتعليق حسن . | فالجواب : الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية , بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق , والله - تعالى - أنزل القرآن بلغة العرب , وعلى منوالهم , فكل ما كان في لغة العرب حسنا نزل القرآن على ذلك الوجه , وما كان نسخا في لسان العرب لم ينزل في القرآن , فثبت بهذا أن كل ما جاء في العادة مشكوكا فيه بين الناس , حسن تعليقه , سواء كان من قبل الله - تعالى - أو من قل غيره , وسواء كان معلوما للسامع أو المتكلم أم لا , وكذلك حسن قوله : إن كان زيد في الدار فأكرمه , مع أنك علم أن زيدا في الدار ؛ لأن حصول زيد في الدار , شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه , ولا يكون إلا في المحتمل وقوعه , وهي أم الباب ؛ فلذلك يحذف مجزومها كثيرا , وقد يحذف الشرط والجزاء معا ؛ قال : [ الرجز ] | 287 - قالت بنات العم : يا سلمى وإن | كان فقيرا معدما قالت : وإن
Page 431