Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال , لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعد أصلا . | قال ابن الخطيب : ما وجه التمثيل في أعطي نورا , ثم سلب ذلك النور , مع أن المنافق ليس هو نور , وأيضا أن من استوقد نارا فأضاءت قليلا , فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم , والمنافقون لا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان , وأيضا مستوقد النار قد اكتسب لنفسه النور , والله - تعالى - ذهب بنوره , وتركه في الظلمات , والمنافق لم يكتسب خيرا , وما حصل له من الحيرة , فقد أتي فيه من قبل نفسه , فما وجه التشبيه ؟ | والجواب : أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوها : | أحدها : قال السدي : إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصوله - عليه الصلاة والسلام - إلى ' المدينة ' ثم إنهم نافقوا , والتشبيه - ها هنا - في غاية الصحة ؛ لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا , ثم ينافقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور , ووقعوا في حيرة من الدنيا , وأما المتحير في الدين , فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين . وثانيها : إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين من أول الأمر , فها هنا تأويل آخر . | قال ابن عباس : وقتادة , ومقاتل , والضحاك , والسدي , والحسن : نزلت في المنافقين يقول : مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مغارة , فاستدفأ , ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف , فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره , فبقي في ظلمة خائفا متحيرا , فكذلك المنافقون بإظهارهم كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم , وأولادهم , وناكحوا المؤمنين , وأورثوهم , وقاسموهم الغنائم , وسائر أحكام المسلمين , فذلك نورهم , فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف , ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم مثل الذرة , شبههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوئها قليلا , ثم سلب ذلك , فدامت حسرته وحيرته للظلمة العظيمة التي جاءته عقيب النور اليسير . | وثالثها : أن نقول ليس التشبيه في أن للمنافق نورا , بل وجه التشبيه بالمستوقد أنه لما زال النور عنه تحيروا تحير من كان في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة , لكنه - تعالى - ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة الشديدة , لا أن وجه التشبيه النور والظلمة . | ورابعها : قال مجاهد : إن الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به , وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق , ومن قال بهذا قال : إن المثل إنما عطف على قوله : { وإذا لقوا ? لذين آمنوا قالو ? ا آمنا وإذا خلوا إلى ? شياطينهم قالو ? ا إنا معكم } [ البقرة : 14 ] فالنار مثل لقولهم : ' آمنا ' وذهابه مثل لقولهم للكفار ' إنا معكم ' . | فإن قيل : كيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان ممثلا بالنور , وهو حين يتم نوره , وإنما سمى مجرد ذلك القول نورا ؛ لأنه قول حق في نفسه . | وخامسها : يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان , وإنما سمى نورا ؛ لأنه يتزين به ظاهرا فيهم , ويصير ممدوحا بسببه فيما بينهم , ثم إن الله يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره , فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان , فيبقى في ظلمات لا يبصر ؛ إذ النور الذي كان له قبل كشف الله أمره قد زال . | وسادسها : أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد والضلالة التي اشتروها , وطلع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم , وتركه إياهم في ظلمات . وسابعها : يجوز أن يكون المستوقد - ها هنا - مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى , والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار , فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء , ألا ترى إلى قوله تعالى : { كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها ? لله } [ المائدة : 64 ] . | وثامنها : قال سعيد بن جبير : نزلت في اليهود , وانتظارهم لخروج النبي - عليه الصلاو والسلام - لإيقاد النار , وكفرهم به بعد ظهوره , كزوال ذلك النور ؛ قاله محمد بن كعب , وعطاء . | والموقود - هنا - هو سطوع النار وارتفاع لهبها . | والنار : جوهر لطيف مضيء حام محرق , واشتقاقها من نار ينور إذا نفر ؛ لأن فيها حركة واضطرابا , والنور مشتق منها , وهو ضوؤها , والمنار العلامة , والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليها ويقال أيضا للشيء الذي يوضع عليه السراج منارة , ومنه النورة لأنها تطهر البدن , والإضاءة فرط الإنارة , ويؤيده قوله تعالى : { هو ? لذي جعل ? لشمس ضيآء و ? لقمر نورا } [ يونس : 5 ] . | وما حول الشيء فهو الذي يتصل به تقول : دار حوله وحواليه . | والحول : السنة ؛ لأنها تحول , وحال العهد أي : تغير , ومنه حال لونه . | والحوالة : انقلاب الحق من شخص إلى شخص , والمحاولة : طلب الفعل بعد أن لم يكن طالبا له , والحول : انقلاب العين , والحول : الانقلاب قال تعالى : { لا يبغون عنها حولا } [ الكهف : 108 ] . | والظلمة : عدم النور عما من شأنه أن يستنير , والظلم في الأصل عبارة عن النقصان قال تعالى : { ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } [ الكهف : 33 ] أي : لم تنقص . | والظلم : الثلج , لأنه ينقص سريعا . والظلم : ماء آسن وطلاوته وبياضه تشبيعا له بالثلج . | { س 2 ش 18 صم بكم عمي فهم لا يرجعون } | الجمهور على رفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف , هم صم بكم , ويجيء فيه الخلاف المشهور في تعدد الخبر , فمن أجاز ذلك حمل الآية عليه من غير تأويل , ومن منع ذلك قال : هذه الأخبار : وإن تعددت لفظا , فهي متحدة معنى ؛ لأن المعنى : هم غير قائلين للحق بسبب عمهم وصممهم , فيكون من باب : ' هذا حلو حامض ' أي : مز , وهذا أعسر أيسر أي : أضبط , وقول الشاعر : [ الطويل ] | 237 - ينام بإحدى مقلتيه ويتقي | بأخرى الأعادي , فهو يقظان هاجع
Page 382