122

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

قال الشافعي - تعالى - : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة ، فإن ترك منها حرفا واحدا وهو يحسنها لم تصح صلاته ، وبه يقال الأكثرون . وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : لا تجب قراءة الفاتحة . لنا وجوه : الأول : انه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة ، فوجب علينا ذلك ، لقوله تعالى : { واتبعوه } [ الأعراف : 158 ] ، ولقوله : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } [ النور : 63 ] ، ولقوله تعالى : { فاتبعوني يحببكم الله } [ آل عمران : 31 ] . ويا للعجب من أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - انه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر واحد ، في أنه - - مسح على الناصية ، فجعل ذلك القدر من المسح شرطا لصحة الصلاة ، وها هنا نقل أهل العلم نقلا متواترا أنه - - واظب على قراءة الفاتحة ، ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها ، وهذا من العجائب . الثاني : قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة } [ البقرة : 43 ] ، والصلاة لفظ محلى بالألف واللام ، فيكون المراد منها المعهود السابق ، وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلى الأعمال التي كان رسول الله يأتي بها . وإذا كان كذلك كان قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة } جاريا مجرى أمره بقراءة الفاتحة ، وظاهر الأمر الوجوب ، ثم إن هذه اللفظة تكررت في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة ، فكان ذلك دليلا قاطعا على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة . الثالث : أن الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - واظبوا على قراءتها طول عمرهم ، ويدل عليه ما روي في ) الصحيحين ( أن النبي - - وأبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - كانوا يستفتحون القراءة ب { الحمد لله رب العالمين } ، وإذا ثبت هذا وجب علينا ذلك ، لقوله : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) . ولقوله : ( اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر ) هما . والعجب من أبي حنيفة - - أنه تمسك بطلاق الفار بأثر عثمان - ه - مع أن عبد الرحمن ، وعبد الله بن الزبير - هما - كانا يخالفانه - ونص القرآن أيضا يوجب عدم الإرث ، فلم يتمسك بعمل [ كل ] الصحابة - هم - على سبيل الإطباق ، والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة ، مع أن هذا القول على وفق القرآن ، والإخبار ، والمعقول ! الرابع : أن الأمة [ وإن ] اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا ؟ لكنهم اتفقوا عليه في العمل فإنك لا ترى أحدا من المسلمين في العرف إلا ويقرأ الفاتحة في الصلاة ، وإذا ثبت هذا فنقول : إن من صلى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركا سبيل المؤمنين ، فيدخل تحت قوله تعالى : { ويتبع غير سبيل المؤمنين } [ النساء : 115 ] فإن قالوا : إن الذين اعتقدوا انه لا يجب قراءتها قرءوها لا عن اعتقاد الوجوب ، بل على اعتقاد الندبية ، فلم يحصل الإجماع على وجوب قراءتها . فنقول : أعمال الجوارح غير أعمال القلوب ، ونحن قد بينا إطباق الكل على الإتيان بالقراءة ، فمن لم يأت بالقراءة كان تاركا طريقة المؤمنين في هذا العمل فدخل تحت الوعيد ، وهذا القدر يكفينا في الدليل ، ولا حاجة في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء الإجماع في اعتقاد الوجوب . الخامس : قوله عز وجل : ( قسمت الصلاة بيني وبن عبدي نصفين ، فإذا قال العبد : { الحمد لله رب العالمين } يقول الله تعالى : حمدني عبدي . . . ) ، إلى آخر الحديث . وجه الاستدلال : أنه - تعالى - حكم على كل صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين ، ثم بين أن هذا التصنيف لم يحصل إلا بسبب هذه السورة ، ولازم اللازم لازم ، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة ، وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا : قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلاة . السادس : قوله : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) . قالوا : حرف النفي دخل على الصلاة ، وليس صرفه إلى الصحة أولى من صرفه إلى الكمال . والجواب من وجوه : الأول : أنه جاء في بعض الروايات : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، وعلى هذه الرواية فالنفي ما دخل على الصلاة ، وإنما دخل على حصولها للرجل ، وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها ، وخروجه عن عهدة التكليف بسببها ، وعلى هذا التقدير فإنه يمكن إجراء حرف النفي على مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزءا من الصلاة ، وهذا [ هو ] أول المسألة ، فثبت أن قولنا : يمكن إجراء هذه اللفظة على أنه معنى تعذر العمل بالحقيقة ، وحصل للحقيقة مجازان أحدهما : أقرب إلى الحقيقة ، والثاني : أبعد ؛ فإنه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب . إذا ثبت هذا فنقول : المشابهة بين المعدوم ، وبين الموجود الذي يكون صحيحا [ أتم من المشابهة بين المعدوم وبين لموجود الذي لا يكون صحيحا ] ، لكنه لا يكون كاملا ، فكان حمل هذا اللفظ على نفي الصحة أولى . الحجة السابعة : عن أ [ ي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي أنه قال : ( كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فهي خداج ) أي غير تمام ، قالوا : الخداج هو النقصان ، وذلك لا يدل على عدم الجواز . قلنا : بل هذا يدل على عدم الجواز ؛ لأن التكليف بالصلاة دائم ، والأصل في الثابت ، البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصلاة على صفة الكمال ، فعند الإتيان بها على سبل النقصان يوجب ألا يخرج عن العهدة ، والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة - ه - يصح الصوم يوم العيد إلا أنه قال : لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم يصح ؛ لأن الواجب عليه هو الصوم الكامل ، والصوم في هذا اليوم ناقص ، فوجب ألا يفيد هذا للقضاء الخروج عن العهدة . وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام ها هنا ؟ الحجة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في ( تعليقه ) عن ابن المنذر أنه روى بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي قال : ( لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) . الحجة التاسعة : روى رفاعة بن مالك - ه - أن رجلا دخل المسجد فصلى ، فلما فرغ من صلاته ، ذكر في الخبر أن للرجل قال : علمني الصلاة يا رسول الله ، فقال : ( إذا توجهتم إلى القبلة فكبروا ، واقرءوا بفاتحة الكتاب ) ، وهذا أمر ، والأمر للوجوب . الحجة العاشرة : روي أن النبي قال : ( ألا أخبركم بسورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها ) قالوا : نعم ، قال : ( فما تقرءونه في صلاتكم ) ؟ فقالوا : الحمد لله رب العالمين ، قال : ( هي هي ) . وجه الدليل : أنه - - لما قال : ( ما تقرءونه في صلاتكم ) قالوا : الحمد لله رب العالمين ، وهذا يدل على أنه كان مشهورا عند الصحابة - هم - أنه لا يصلي أحد إلا بهذه السورة ، فكان هذا إجماعا معلوما عندهم . الحجة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } [ المزمل : 20 ] فهذا أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة . فنقول : المراد بما تيسر من القرآن ، إما أن يكون هو الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب وإما يقتضي أن قراءة غير الفاتحة واجبة ، وذلك باطل بالإجماع ، أو يقتضي التخيير بين قراءة الفاتحة ، وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع ، لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها . وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقصة ، والتخيير بين النقائص والكامل لا يجوز . واعلم أنه إنما سمى قراءة الفاتحة لما تيسر من القرآن ؛ لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين ، فهي متيسرة للكل ، أما سائر السور فقد تكون محفوظة ، وقد لا تكون ، وحينئذ لا تكون متيسرة للكل . الحجة الثانية عشرة : الأصل بقاء التكليف ، فالقول بأن الصلاة بدون قراءة الفاتحة يقتضي الخروج عن العهدة ، إما أن يعرف بالنص أو بالقياس . أما الأول فباطل . [ لأن النص الذي تمسكوا به قوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } وقد بينا أنه دليلنا . صفحة فارغة صفحة فارغة وأما القياس ] فباطل ؛ لأن التعبدات غالبة على الصلاة ، وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس . الحجة الثالثة عشرة : أن النبي - - واظب على الصلاة بها طول عمره ، فيكون قراءة غير الفاتحة ابتداعا وتركا للاتباع ، وذلك حرام لقوله : ( اتبعوا ولا تبتدعوا ) ، و ( أحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مثحدثاتها ) . واحتج أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بالقرآن والخبر . أما القرآن الكريم فقوله تبارك وتعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } . وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - قال ( أمرني رسول الله أن أخرج وأنادي : لا صلاة إلا بقراءة ، ولو بفاتحة الكتاب ) . والجواب عن الأول : أنا بينا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا . وعن الثاني : أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة ، وأيضا لا يجوز أن يقال : المراد من قوله : ( لا صلاة إلا بقراءة ، ولو بفاتحة الكتاب ) وهو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى .

فصل في بيان هل التسمية آية من الفاتحة أم لا ؟

Page 243