Durūs liʾl-Shaykh Muḥammad al-Ḥasan al-Daddu al-Shinqīṭī
دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي
طول الأمل
كذلك من أسباب الإجرام: أن يكون الإنسان مؤمنًا بكل ما سبق متذكرًا له في ساعته، لكنه يطول الأمل، فيغريه الشيطان بأنه بالإمكان أن يرجع ويتوب بعد أن يقترف المعصية، ويقول له: افعل ما شئت الآن وما تريده، ثم عمرك طويل بعد هذا، وستتوب إلى الله وتعبده، وهذه هي علامة الخذلان وطمس البصيرة، نسأل الله السلامة والعافية! فالشيطان يضرب على قافية رأس الإنسان إذا هو نام، يضرب في كل عقدة: إن عليك ليلًا طويلًا فنم، فيغريه بطول الأمل، والواقع أن أصحاب العقول لا يمكن أن يغتروا بطول الآمال، وهم يرون في كل يوم وفي كل صباح وفي كل مساء الذين ينتقلون إلى الدار الآخرة، ممن هم أقوى منهم أبدانًا وأكثر أموالًا وأرفع مكانة اجتماعية، فيرون أجناس الناس ينتقلون إلى الدار الآخرة، لا تبقى شريحة من شرائح المجتمع إلا رأيتها: فترى الرؤساء والملوك، وترى الوزراء والقادة، وترى التجار والأغنياء، وترى الفقراء والمساكين، وترى الصبيان الصغار، وترى الشباب الأقوياء، وترى الشيوخ والعجزة، كل هؤلاء يدفنون جميعًا في المقابر.
قال الشاعر: لا الموت محتقر الصغير فعادل عنه ولا كبر الكبير مهيبُ وقال الآخر: ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد كلنا صائرون إلى ذلك المصير، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ حين وقف على ضجنان بعد حجته: (كنت أرعى إبلًا للخطاب على ضجنان، فكنت إذا عجلت ضربني وقال: لم تعش، وإذا أبطأت ضربني وقال: ضيعت، ولقد أصبحت وأمسيت وليس بيني وبين الله أحد أخشاه، ثم قال: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويفنى المال والولدُ لم تغن عن قيصرٍ يومًا خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له والجن والإنس فيما بينها برد أين الملوك التي كانت بعزتها من كل صوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب لابد من ورده يومًا كما وردوا) إن طول الأمل مضرة عظيمة للإنسان، فهو الذي يقتضي فوات الأعمال الصالحات التي يندم الإنسان على فواتها، وهو الذي يدفع بالإنسان إلى تأخير فرائض الله ﷾، حتى ينتهي وقتها، وحتى لا يمكن الإنسان من العود إليها في فرصة لاحقة.
إن الإنسان لن يستشعر فرصه الطويلة المتنوعة التي وهبه الله إلا بعد أن ينتقل من هذه الدنيا وينقطع عمله بالكلية، فمادام الإنسان يرجو الحياة فهو يؤمل أن يبقى.
فالمرء قد يرجو الحيا ة مؤملًا والموت دونهْ تنفك تسمع ما حييـ ت بهالك حتى تكونهْ لكنه عندما يموت وتنقطع آماله عن هذه الدنيا يتمنى طرفة عين لو رجع إليها، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١].
إن الجرائم التي يقترفها الناس ينتبهون لها إذا نشأت منها نابتة جديدة، أو ظهر منها مظهر جديد لم يكن متفشيًا بين الناس، ففي زماننا هذا اليوم أصبح الناس في هذا البلد يتحدثون عن كثير من الجرائم التي لا عهد لكثير من الناس بها، من قتل الأقارب والإخوة الأشقاء، ومن إحراق الإنسان لنفسه، ومن اعتدائه على أحب الناس إليه وأقربهم إليه كقتل الإنسان لأمه، وغير ذلك من الجرائم الكبيرة التي لا عهد لأهل هذه البلد بها!! ولكنها تأتي كالسيل الجارف، وما هي إلا سنوات يسيرة حتى يألف الناس هذه الجرائم ويتعودوا عليها، كعصابات اللصوص التي تجوب بعض الطرقات في الليالي المظلمة، وتقطع الطريق على الناس، وتعتدي على حرمهم وتأخذ أموالهم، ومثل ذلك: العصابات التي تعتدي على منازلهم وبيوتهم تبيتهم وهم آمنون في بيوتهم، فيعتدون على متاجرهم، وما يجمعونه من المال.
هذه الجرائم لم تكن معروفة ولا معهودة بين الناس في هذه البلاد، ولكنها اليوم أصبحت جريمة منتشرة ومنظمة، فقد أصبح الإجرام منظمًا له أعراف يتعارف عليها أهل الإجرام فيما بينهم، وله قوانين وخطط يخططون لها؛ بل لا تستغربوا أن ينشئ بعض هؤلاء المجرمين المتمرسين معاهد للإجرام، إن الإجرام يدرس في كثير من البلدان الغربية، وله معاهد، فأصحاب التجارب الكبيرة في الإجرام تلتحق بهم عصابات اللصوص؛ ليعلموهم طرائق الإجرام وطرائق الحصول على الأموال بهذه الوسائل الملتوية.
10 / 13