Durūs lil-Shaykh ʿAbd al-ʿAzīz b. Bāz
دروس للشيخ عبد العزيز بن باز
نعمة إرسال الرسول وإكمال الدين
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأَتَمَّان الأكملان على عبده ورسوله وخليله، وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا شك أن من أعظم نعم الله على عباده وإحسانه إليهم ﷾ أن ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] كما أخبر عن نفسه ﵊.
فمن رحمة الله العظيمة وإحسانه العميم أن أرسل إلى الناس نبيًا كريمًا، ورسولًا عظيمًا، وإمامًا مقدمًا، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، ينتهي نسبه إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعليهما الصلاة والسلام، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
بعثه الله جلَّ وعلا على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، وخفاء من معالم الهدى، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا يسيرة من أهل الكتاب، فأرسل هذا الرسول العظيم؛ ليبين للناس صراط الله المستقيم، وليعلمهم دين الله القويم، وليوضح لهم الإسلام الذي بعث الله به المرسلين، وجعله الله رحمة للعالمين، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨] .
فهدى به من الضلالة، وبصَّر به من العمى، وجمع به بعد الفرقة، وأغنى به بعد العيلة والفقر، وهدى به الأمة إلى الصراط المستقيم، وأحيا به ملة إبراهيم ﵊، فدعا إلى الهدى، وبشَّر وأنذر.
وقد بعثه الله في مكة المكرمة على رأس أربعين عامًا من عمره ﵊، لما أكمل الله له أربعين عامًا بعثه إلى الناس رحمة وهدىً، فبلَّغ وأنذر، ودعا إلى الله ﷿، وصبر على الأذى من قومه، وهدى الله على يديه من هدى في مكة المكرمة.
ولما اشتد بهم الأذى هاجر جمع غفير منهم إلى الحبشة؛ لأن ملكها ذاك الوقت ملك عادل، لا يُظلم عنده أحد، فهاجروا إليه وهو على النصرانية، فرحب بهم، وكان على رأسهم جعفر بن أبي طالب أخو علي ﵄، وهذه هي الهجرة الأولى إلى الحبشة، فجلسوا هناك في أمن وأمان، وهدى الله على أيديهم ملك الحبشة النجاشي فأسلم على أيديهم.
ولم يزالوا هناك حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ومضى على هجرته في المدينة ست سنين، ثم قدموا عليه عام خيبر من الحبشة هجرة ثانية إلى المدينة.
والنبي ﷺ لما اشتد به الأذى في مكة، وبأصحابه ﵃؛ أذن الله له بالهجرة، فهاجر هو ومن استطاع من أصحابه إلى المدينة، وأظهر الله دينه هناك، ورفع شأن الإسلام، وأقام سوق الجهاد إلى آخر ما هو معروف في السيرة النبوية.
وكانت هذه النعمة لا يعادلها نعمة؛ لأن الله جلَّ وعَلا نشر بها دينه، وأعلى بها كلمته، وعرَّف الناسَ بها دينه الذي بعث به الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وهو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] .
فنشر أعلامه وبين معالمه على يدَي هذا النبي الكريم ﵊، وأنزل عليه القرآن الكريم الذي هو أفضل وأعظم كتاب فيه الهدى والنور فيه الدلالة على كل خير، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والتحذير من الشرك بالله، ومن سائر ما لا يرضي الله من أقوال وأعمال.
قال فيه سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣] أي: يشبه بعضُه بعضًا.
فهو أحسن القصص، وهو أحسن الحديث، وهو كتاب الله العظيم، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] هدى الله به الأمم من عهده ﷺ إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة هداهم الله به إلى أسباب السعادة، وإلى دين الإسلام، وإلى الأخلاق الكريمة، والأعمال الحميدة، وإلى كل خير، وحذَّرهم فيه من كل شر.
ونبينا ﷺ هو أعظم داعٍ، وأفضل وأعظم وأفضل رسول ﵊، كمل الله به المرسلين، وختم به عِقْد النبوة، فصار هو خاتم النبيين والمرسلين ﵊، وليس بعده نبي، ومن ادَّعى النبوة بعده فهو كافر ضال مضل.
فمحمد ﷺ خاتم النبيين، وهو رسول رب العالمين، ورسالته خاتمة الرسالات، وشريعته أكرم الشرائع ﵊ شريعته أفضل الشرائع وأهداها، وأحكمها وأعمها، وجعل الله فيها حل كل مشكل، وبيَّن فيها جميع ما يحتاجه العباد، وجعل شريعته بحمد الله سمحة ميسرة، ليس فيها أغلال ولا آصار: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
ومر رسول الله ﷺ وصحابته على الهدى المستقيم، وعلى الصراط القويم، بعدما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة ﵊، أنزل الله عليه في حجة الوداع يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، هذه الآية بيَّن الله فيها أنه أكمل الدين للأمة، وأتم عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا، فلما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة؛ أخذه إليه وتوفاه، ونقله إلى الرفيق الأعلى إلى دار النعيم والكرامة، فجسدُه في الأرض، وروحه في أعلى عليين، في دار النعيم ﵊.
10 / 2