252

Fiqh al-ʿibādāt ʿalā al-madhhab al-Ḥanbalī

فقه العبادات على المذهب الحنبلي

الباب الثاني (أركان الحج)
أولًا: الإحرام:
الإحرام هو قصد الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما معًا، ويشترط فيه النية، فلا يصير محرمًا بمجرد التجرد أو التلبية من غير نية الدخول في النسك، لحديث: (إنما الأعمال بالنية) (١)، ولأنه عبادة محضة فافتقرت إلى نية كالصلاة. وإن شك هل أحرم أم لا فهو كالناسي لإحرامه (يرجع إلى الميقات ليحرم)، ومن نسي بما أحرم به صرفه إلى أي نسك شاء. وإن نوى إحرامًا بنسك فسبق لسانه إلى غيره انعقد إحرامه بما نواه دون ما نطق به.
ولا يفتقر انعقاد الإحرام إلى التلبية، لأنه عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم.

(١) مسلم: ج-٣/ كتاب الإمارة باب ٤٥/١٥٥.
سنن الإحرام:
-١- يستحب الغسل لكل محرم، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، لما روى خارجة بن زيد عن أبيه (أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل) (١) .
ويسن الغسل للمرأة حتى في حال الحيض والنفاس، لما ورد في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر. فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال اغتسلي. واستثفري بثوب وأحرمي) (٢) . ⦗٤٣١⦘
ولا يسن التيمم عند العجز عن الغسل، لأن الحكمة من الغسل النظافة، على قول إحدى الروايتين والمعتمد أنه يتيمم لعموم قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (٣) .
-٢- يستحب قبل الغسل التنظيف بقص الشارب، وأخذ شعر العانة والإِبط، وقص الأظافر وتقليمها، وقطع الرائحة.
-٣- تطيب البدن، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) (٤)، ولا يسن تطيب الثياب.
-٤- يسن للرجل لبس إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين، لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (البسوا من ثيابكم البياض. فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) (٥) . ولبس نعلين أيضًا، لقوله ﷺ من حديث ابن عمر ﵄: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) (٦) .
-٥- أن يحرم عقب صلاة إما مكتوبة أو نافلة.
-٦- التلفظ بالنية، وتعيين النسك الذي أحرم به، فإن أطلق صرفه حيث شاء، وإن أحرم بإحرام غيره صح، كأن يقول: أحرمت بمثل ما أحرم بمثل ما أحرم به فلان، لما روى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم. فقال: بم أهللت؟ قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ. قال: فقد أحسنت) (٧) . ⦗٤٣٢⦘
-٧- أن يشترط حين إحرامه بهذا الشرط يقول: "أن محلي حيث يحبسني". فيقول: "اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقلبه مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث يحسبني"، لما روت عائشة ﵂ قالت: (دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج. وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ: حجي واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني) (٨) ويفيد هذا الشرط في شيئين:
آ- أنه متى عاقه عائق من مرض أو غيره فله التحلل.
ب- أنه إذا حل لذلك فلا شيء عليه من دم ولا غيره.
-٨- البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته، لما روى البخاري عن ابن عمر ﵄ (أنه ﷺ أهلّحين استوت به راحلته قائمة) (٩)، وعن أبي بكر الصديق ﵁ (أن النبي ﷺ سئل أيُّ الحج أفضل؟ قال: العجّ والثجّ) (١٠)، وروى ابن ماجة عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من محرم يَضْحى لله يومَه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه) (١١) .
ويرفع الرجل صوته بالتلبية، لما روى خلاّد بن السائب بن خلاّد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (أتاني جبريل فأمرني أن آمُرَ أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) (١٢) .
أما المرأة فتسمع نفسها فقط ويكره لها الجهر.
وصيغة التلبية: ما ورد عنه ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ (أنه ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحُليفة، أهلّ، فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ⦗٤٣٣⦘ والملك، لا شريك لك) (١٣) . ولا بأس بزيادة قوله: "لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والرغباء إليك والعمل". وزاد أنس ﵁: "لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا"، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يسأل الله تعالى الرضا والجنة، بأن يقول: "اللهم إني أسألك رضاك والجنة" ويستعيذ من النار بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من سخطك ومن النار".
ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته، لما روى أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجًا) (١٤) .
- ويستحب الإكثار من التلبية، لحديث جابر ﵁ المتقدم: (ما من محرم يضحى لله يومَه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه) (١٥)، ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع في صعود وهبوط، أو تلبس بمحظور ناسيًا، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، وبالأسحار، وإذا التقت الرفاق، لما روى جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يلي إذا رأى راكبًا أو صعد أكمة، أو هبط واديًا، وفي إدبار المكتوبة، وآخر الليل) .
كما تستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساج الحرم وبقاعه لأنها مواضع النسك، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره.
-٩- يستحب للمحرم قلة الكلام إلا فيما ينفع، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (١٦) فهذا في حال الإحرام والتلبس بطاعة الله تعالى والاستشعار بعبادته أولى (١٧) .
ولا يبطل الإحرام بجنون أو إغماء أو سكر كالموت ولا ينعقد مع وجود أحدها. ⦗٤٣٥⦘

(١) الترمذي: ج-٣/ كتاب الحج باب ١٩/٨١.
(٢) مسلم: ج ٢/ كتاب الحج باب ١٩/١٤٧.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) مسلم: ج ٢/ الحج باب ٧/٣٣.
(٥) الترمذي: ج-٣/ كتاب الجنائز باب ١٨/٩٩٤.
(٦) مسند الإِمام أحمد: ج-٢ / ص-٣٤.
(٧) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٢٢/١٥٤.
(٨) مسلم: ج ٢/ الحج باب ١٥/١٠٥.
(٩) البخاري: ج-٢ /كتاب الحج باب ٢٨/١٠٥.
(١٠) الترمذي: ج-٣ /الحج باب ١٤/٨٢٧. والعج رفع الصوت، والثج: إسالة الدماء (نحر البدن) .
(١١) ابن ماجة: ج-٢/ كتاب المناسك باب ١٧/٢٩٢٥.
(١٢) الترمذي: ج-٣ /كتاب الحج باب ١٥/٨٢٩.
() البخاري: ج-٢ /كتاب الحج باب ٢٥/١٤٧٤.
(١٤) مسلم: ج-٢/ كتاب الحج باب ٣٤/٢١٥.
(١٥) ابن ماجة: ج-٢/ كتاب المناسك باب ١٧/٢٩٢٥.
(١٦) ابن ماجة: ج-٢/ كتاب الفتن باب ١٢/٣٩٧٦.
(١٧) من حكم بن عطاء الله: من قال لأخيه من أين وإلى أين فهذا مما لا يعنيه.

1 / 430