297

أصلها ثابت وفرعها في السمآء

[إبراهيم: 24]، مع العلم أن فرعها لا يمتد إلى الأجرام الفلكية، ومثله قوله هنا: { وأنزل من السمآء مآء } مع كون الماء ينزل من طبقة قريبة جدا من الأرض ينشأ فيها السحاب ويشبه في تراكمه الجبال ، وهو المراد بقوله:

وينزل من السمآء من جبال فيها من برد

[النور: 43]، والراكب على الطائرة يخترق هذه الطبقة ويتجاوز هذا السحاب.

والمراد من جعل السماء بناء الربط بين أجرامها بسنة الجاذبية، التي هي أشبه بوضع لبنة على لبنة في البناء، فإنها يشد بعضها بعضا بما أودع الله سبحانه في كل منها من طبائع تتلاءم كما يشد اللبن بعضه بعضا، وذلك من أسباب تمكن الإنسان من الإستقرار على الأرض حتى يأتي وعد الله بانحلال هذا الرباط وتداعي هذا البناء، كما أخبر تعالى في قوله:

إذا السمآء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت

[الانفطار: 1 - 2]، وبجانب ذلك فإن الغلاف الهوائي المحيط بالكرة الأرضية أشبه ما يكون بالسقف المبني الواقي، فالشهب التي تتقاذف في أرجاء الفضاء لا تكاد تصلنا بسبب هذا الحاجز الطبيعي، وكذلك الأهوية المنبعثة من الأجرام السماوية ذات الطبائع المهلكة أو المؤذية، فإنها باتصالها بهذا الحاجز يصدها عن الوصول إلينا إلا بعد أن تلطف وتتكيف مع طبيعة هذه الكرة الأثيرية الملائمة لطبيعة الأرض ومن فيها، وعلى كلا المعنيين يتضح معنى جعل السماء بناء لنا، وهو يعد من الإعجاز العلمي الذي سبق القول فيه في الجزء الأول، إذ لم تكن هذه الحقائق واضحة للناس في عهد نزول القرآن، خصوصا أولئك الأميين الذين نزل بينهم، وبجانب هذا فإن التعبير عن هذه الحقائق بهذا الأسلوب الغريب يعد نمطا من أنماط الإعجاز البياني الذي تحدثنا عنه، وذلك أن القرآن واجه عصورا مختلفة تنوعت فيها الثقافات، وتباينت فيها التصورات باختلاف أطوار البشر، واختلاف علومهم وآدابهم، ومع ذلك فقد وسع هذا التعبير جميع هذه الأحوال، ولم يصطدم مع مفاهيم أي جيل من هذه الأجيال، فالبدوي البدائي الذي لم يكن يدرك شيئا مما سبق الحديث عنه؛ من ترابط الأجرام الفلكية، وإحاطة الأرض بمظلة هوائية، إذا تلا هذه الآية أو تليت عليه فهم من معناها ما وصل إليه فهمه، ولم تصطدم بشيء من تصوراته حول الكون، والعالم الفلكي في هذا العصر الذي توفرت لديه وسائل الاكتشاف التي لم تكن في الحسبان من قبل يرى أن الآية الكريمة ما جاءت إلا لتخاطب أمثاله، فسبحان من وسع كلامه جميع خلقه، وهو بكل شيء عليم.

والمراد بإنزال الماء من السماء؛ إنزاله من هذا الفضاء الذي يعلو الأرض بعد أن تتصاعد إليه الأبخرة - بتأثير حرارة الشمس - من المحيطات والبحار والأنهار فتتجمد في الفضاء لتأثير البرودة، ويتكون منها السحاب فتذوبه الطاقة الحرارية، وينهمر منه هذا الودق النافع للعباد، وذلك كله بمشيئة الله، ولو شاء لخلق الماء في هذه الأرض نفسها من غير أن يتنزل من السماء، ومن غير أن يمر بأي طور من هذه الأطوار، كما أنه سبحانه لو شاء أن يخلق الناس والبهائم من غير لقاء بين الذكر والأنثى، ومن غير مرور بأطوار الحمل لكان ذلك، ولكنه - جلت حكمته - أراد بتنقل الأشياء من طور إلى آخر، وتقلبها من حال إلى أخرى تذكيرا للعباد، وتبصيرا بحكمة المبدأ وإمكان المعاد.

هذا وقد جمد كثير من المفسرين على ظاهر الآية، وزعموا أن المطر يتنزل من السماوات العالية حيث الأجرام الفلكية وادعوا أن السحاب ليس هو إلا غربالا له، ومنهم من قال إن القطرات التي تتنزل من السماوات هي في حجم الجمال ثم تتفرق عندما تقع على هذا الغربال فتنزل بحسب حالها الذي نشاهده، وبالغ بعضهم فادعى أن المطر ينزل من تحت شجرة من أشجار الجنة، وقد بالغوا في رد الرأي الصحيح وعدوه من الأوهام الفلسفية، وما دروا أنهم هم الذين أسرتهم الأوهام بسبب ركونهم إلى الروايات الكاذبة التي راجت في أوساط الناس بعد ما مهد اليهود لرواجها، وليس لشيء منها سند يعول عليه، إذ لم يثبت أي شيء منها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه - رضي الله تعالى عنهم -، ولا يصح الآن بعد ما وضح الصبح لذي عينين أن يتعلق أحد بهذه الأوهام، فقد دلت المشاهدة على كذبها، فكثيرا ما يخترق الراكبون على الطائرات طبقات السحاب الماطر، حتى إذا جاوزوه وكانوا أعلاه لم يروا للمطر أثرا، فأين هذه القطرات التي هي في حجم الجمال؟

والعجب من أولئك الذين صدقوا هذه الأوهام؛ فعولوا عليها في تفسير كلام ربهم، كيف عزب عنهم وصف الله تعالى في القرآن لإنشاء السحاب نحو قوله:

Unknown page