Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وإذا عرفت الاختلاف فيما ترتبط به " لعل " في هذه الآية فلنعد إلى بيان معناها هنا لعدم جواز معناها الحقيقي - وهو التوقع - عليه سبحانه، وللعلماء في ذلك مذاهب:
أولها: لسيبويه وجمهرة من أئمة العربية والتفسير، وهو أنها على حقيقتها من معنى الرجاء، غير أن هذا الرجاء ليس متلبسا بالله سبحانه، وإنما هو متلبس بالمخاطبين وهم الناس، ومعنى ذلك أنهم مأمورون بأن يعبدوا الله وهم راجون أن تفضي بهم عبادتهم إلى التقوى، وهو صلاح الظاهر والباطن كما هو شأن العبادة، وعليه " فلعل " متعلقة ب { اعبدوا } دون { خلقكم } لتعذر ان يكونوا حال خلقهم راجين أن يتقوا، إذ لم يكونوا آن ذاك أهلا للتفكير أو الرجاء.
ثانيها: لبعض المفسرين، وهو أن الرجاء لا يلزم أن يكون من المخاطب أو المخاطب، وإنما يكون حسب الواقع؛ وذلك أن يكون الأمر مئنة لرجاء كل من أمعن فيه النظر لتوفر أسباب الرجاء، والباعث عليه هنا أن الله عز وجل خلق الناس في أحسن تقويم، وهداهم النجدين، وأفاض عليهم نعمه ، وأرسل إليهم رسله وأنزل إليهم كتبه، فكانوا مئنة لأن يرجى منهم التقوى.
ثالثها: أن لعل هنا محمولة على التعليل؛ وهو قول طائفة من النحويين، منهم الكسائي، وقطرب، وأبو علي الفارسي، وابن كيسان، وابن الأنباري، ونحا نحوهم بعض المفسرين وفي مقدمتهم ابن جرير، واستدلوا له بقول الشاعر:
وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا
نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم
كلمع سراب في الملا متألق
فإنه يتعذر كون " لعل " للترجي في البيت مع قوله: " ووثقتم لنا كل موثق " ، وقوله في البيت الثاني: " كانت عهودكم " إذ لا معنى لكونها دالة على الترجي مع بذل الناطقين بها العهود والمواثيق على الكف، وإذا تعذر حملها على الترجي فلا معنى تحمل عليه إلا التعليل، لجواز أن تحل محلها اللام أو كي التعليليتان، والذي آراه أن كثيرا من الآيات شاهدة بصحة هذا المذهب، كقوله عز وجل:
ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون
Unknown page