Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
ولعل تفيد التوقع المشترك بين الرجاء والإشفاق، فإن كان المتوقع محبوبا فهي للرجاء، وإن كان مرهوبا فهي للإشفاق، مثال الأول قول التائب: " لعل الله يرحمني " ، ومثال الثاني قول الخائف: " لعل العدو يدهمني " ، وكلا الأمرين مستحيل على الله سبحانه، فمن بيده ملكوت السماوات والأرض وهو بكل شيء عليم، يستحيل عليه الرجاء والاشفاق، ومن ثم كان مجيء لعل في كلامه تعالى داعيا إلى إمعان النظر فيما يراد بها.
وقبل الحديث في هذا الموضوع ينبغي النظر فيما ترتبط به هنا، فقد تقدمها الأمر بالعبادة في قوله: { اعبدوا } ، وذكر الخلق في قوله: { خلقكم } ، وكل منهما يسوغ ارتباطها به - فيما يتبادر لي - وإن زعم القرطبي بأن تعلقها بخلقكم لا يجوز؛ لأن من ذرأه الله تعالى لجهنم لم يخلقه للتقوى، وقد عزا ذلك أبو حيان في البحر المحيط إلى المهدوي، وهو قول مرفوض لأن الله تعالى يقول:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56]، وهو نص صريح على أنهم مخلوقون للعبادة، ولا ينافي ذرء كثير منهم لجهنم كما أخبر الله، فإن استحقاقهم العذاب إنما هو بسبب إعراضهم عما خلقوا له من العبادة والتوحيد، وذلك لم ينشأ إلا عن اختيارهم بأنفسهم، واستجابتهم لدعاء الشيطان، ولم يجبروا على شيء منه وإن مضى القلم بحسب ما علم الله ما يكون منهم، وإذا جاز كونهم مخلوقين للعبادة فأي مانع من أن يكونوا مخلوقين للتقوى مع أن التقوى هي الغاية من العبادة، وما منعه المهدوي والقرطبي هو الذي عول عليه الزمخشري واقتصر عليه في كشافه، وسوغه ابن عطية، وإنما قلت بصحة كلا المذهبين لأن قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ظاهر في جواز تعلقها بخلق كما ذكرت، والرأي الآخر يعززه اقتران ذكر العبادات بذكر التقوى في مواضع من القرآن، كآيات الحج، وبداية آيات الصوم، وهي قوله:
يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون
[البقرة: 183]، وفي معنى ذلك قوله سبحانه:
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر
[العنكبوت: 45]، وهذه هي عين التقوى، وقوله:
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها
[التوبة: 103]، وقد تقدم - والحمد لله - بيان حكمة مشروعية الصلاة، وأنها من أسباب الصلاح الظاهر والباطن، وسيأتي الحديث عن سائر العبادات في مواضعها إن شاء الله.
Unknown page