Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وأما المثل الثاني وهو قوله { أو كصيب من السمآء } ، فيراد به فريق آخر بقيت له نظرات إلى الهدى بين آونة وأخرى، وأنوار التنزيل تسطع بين يديه فيرى الحقيقة ماثلة أمام عينيه، وفطرته بقي لها شيء من هدايتها غير أن التقاليد والبدع تطغى ظلماتها على ذلك كله، فلذلك يتخبط في المهالك مع سماعه قوارع النذر الالهية، وإبصاره بوارق البراهين الفرقانية، فإذا أضاء له ذلك البرق سار، وإذا اختفى بشبه الضلالات والغرور قام وتحير، لا يدري أين يذهب، وكثيرا ما يعرض عن سماع النذر وأصوات الحق، كما يضع أصبعيه في أذنيه لئلا يسمع إرشاد المرشد، ولا نصح الناصح، يخاف إن أصغى إلى تلك القوارع أن تقتله، ويحذر من صواعق النذر أن تهلكه.
هذا حاصل رأيه في المثلين، ويظهر منه أن المثل الأول في قوم استحكم في نفوسهم الهوى، واستولى على أفكارهم الباطل، وأحاطت بهم الضلالة من كل جانب، فلا يسمعون للحق نداء، ولا يبصرون له ضياء، وليس في نفوسهم عزم على البحث عنه، أو الرجوع إليه إن انكشف لهم، لأنهم مخلدون إلى ما هم فيه من الضلال، ومستمسكون بما ورثوه من آبائهم المحرفين، وقادتهم الدجالين، وهم مغترون بذلك، فلا يرون أن شيئا أفضل مما هم عليه، وأما المثل الثاني فهو مضروب فيمن تردد بين الهدى والضلال، والرشد والغي، لا يستقرون على حال، وإنما ضلالهم أبلغ من هداهم، وعماهم أعمق من بصيرتهم، قد يبصرون للحق نورا فتنكشف لهم حقيقته إلا أنهم بسبب طغيان الهوى على نفوسهم لا يمكنهم الانفلات من قيود الباطل، والانطلاق من أغلال التقاليد.
هذا، والذي أراه أن ما ذكره من صفات أصحاب المثل الأول لا ينطبق على المنافقين، وإنما ينطبق على اليهود المتمسكين بيهوديتهم، المستعلين على الناس بغرورهم، فإنهم يرون أنهم أولى الناس بالهدى، وأن النبوة لا تخرج عنهم إلى غيرهم، بل أفرطوا في الغرور حتى ادعوا - زورا وبهتانا - أنهم أبناء الله وأحباؤه، ومن المعلوم أن أحبارهم حرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وجعلوا من تلك الضلالات التي لفقوها، والافك الذي اصطنعوه دينا لهم ولأتباعهم، فلذلك لا يصغون لصوت ناصح، ولا يقبلون عذل عاذل، وقد سلبوا هداية أنبيائهم، وانطفأت أنوار ما كان بأيديهم من الكتاب.
وإذا ألقينا نظرة إلى سياق هذه الآيات لم نجدها إلا في المنافقين سواء كانوا من منافقي اليهود أو منافقي العرب، والمثلان مضروبان فيهم لا في غيرهم، ولا مانع من الانتقال من مثل إلى آخر مع كون الممثل له واحدا، فإن ذلك معروف عند العرب، وستأتي له شواهد إن شاء الله عندما نصل إلى المثل الثاني.
ووجه ضرب هذا المثل في المنافقين أنهم استضاءوا بشيء من نور الاسلام حال اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، وسماعهم ما يدور في مجالسهم من مواعظ وأمثال، ومشاركتهم في الأعمال الدينية الظاهرة، ولكن سرعان ما تنطفئ هذه الشعلة عندما يفارقونهم، فتتراكم في نفوسهم ظلمات العقيدة التي يبطنونها، وهذا هو المروي عن مجاهد؛ وقال عطاء الخراساني: هذا مثل المنافق يبصر أحيانا، ويعرف أحيانا، ثم يدركه عمى القلب، وعزا ذلك ابن أبي حاتم إلى عكرمة، والحسن، والسدي، والربيع بن أنس، وروي عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم.
وما ذكروه من إبصارهم أحيانا يحتمل أن يكون عند لقائهم بالمؤمنين وسماعهم منهم، وأن يكون بمجرد تفكرهم في الأمور، فإن الفطرة داعية إلى الحق لولا ما يضعفها من الهوى والضلال.
وروى ابن جرير عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية في قوم دخلوا في الاسلام عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله من قذى وأذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق، كان في ظلمة الشرك فعرف الحلال والحرام، والخير والشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر؛ وروي عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم مثله.
وأنكر ابن جرير أن يكون هؤلاء أسلموا في وقت من الأوقات لقوله تعالى فيهم { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } ، وتعقبه ابن كثير بأن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهو لا ينافي أن يكونوا آمنوا من قبل ثم سلبوا الايمان، وطبع على قلوبهم، واستدل بقوله تعالى: { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }.
ولابن جرير أن يتخلص بما ذكرته من قبل، وهو أن المنافقين أصناف، منهم من آمن ثم ارتد، ومنهم من لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه ولكنه ادعاه بلسانه.
وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم رأيا آخر في الآية لابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالاسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه، وروي مثله عن قتادة، وهو الذي مال إليه ابن جرير مستدلا بقوله تعالى:
Unknown page