Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
والآية الكريمة وإن نزلت في المنافقين الذين كانوا في عهد الرسالة، فمدلولها يشمل كل من كان على شاكلتهم، وما أكثر أولي الاستخفاف بالحق والاستهزاء بأهله الذين يلقون المؤمنين بالألسنة الكاذبة، والقلوب الحاقدة والنوايا السيئة، وإنما سلو المؤمنين في هذه الكفاية الربانية
وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا
[النساء: 45].
وقطع هذه الجملة عما قبلها لأن عطفها قد يوهم أنها من مقول المنافقين، وأنهم يدعون أن الله تعالى يؤيدهم ويعزز جانبهم، إذ يستهزئ بالمؤمنين كما يستهزئون، فكان فصلها دالا على استقلالها عن كلامهم، وأنها من كلام الله تعالى تبكيتا لهم وانتصارا لعباده المؤمنين، وثم سبب آخر، وهو أن حكاية ما كان من المنافقين في معاملتهم أهل الإيمان، ومصارحتهم قومهم بأنهم يستهزئون بهم بما يلقونهم به من الكلم الطيب، يجعل الأعناق تشرئب، والعيون تتطلع إلى ما يحدث من رد فعل من جانب المؤمنين، فرب قائل يقول ماذا عسى أن يفعل الذين آمنوا، وقد اصطبغوا بخديعة أهل النفاق، ووقعوا في فخ كيدهم، وشراك مكرهم؟ فجاء هذا الرد من قبل الله بأن ذلك ليس موكولا إليهم، وإنما الله الذي هداهم إلى الحق هو المتكفل بخصومهم، وفي القطع في هذا المقام من الجزالة ما لا يخفى.
ومن ناحية أخرى فإن العطف يقتضي أن يكون استهزاؤهم مما يعتد به، وتركه يشعر أنه لا شيء بجانب استهزاء الله بهم، فهم لن يستطيعوا أن يصلوا إلى شيء من مرادهم في الذين آمنوا لأن الله بهم محيط، وبكيدهم خبير.
ومما يؤكد اعتبار الاستئناف تقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي الذي وليه، إذ لم يقل يستهزئ الله بهم، لأنه مما يجول في خواطر السامعين السؤال عن من يتولى جزاء صنيعهم، وفي هذا الجواب تنبيه على أن الله تعالى وحده هو الذي يتولى ذلك، وفيه ما لا يخفى من رفعة قدر المؤمنين عنده، ونحوه قوله سبحانه:
إن الله يدافع عن الذين آمنوا
[الحج: 38]، على أن بعض أهل البلاغة يرى أن تقديم المسند إليه هنا قاض بقصر المسند عليه، وهو مقتضى مذهب إمامي البلاغة عبدالقاهر الجرجاني وجارالله الزمخشري.
وقد كان مقتضى الظاهر أن يقال: الله مستهزئ بهم ليوافق قولهم { إنما نحن مستهزئون } غير أنه عدل عن الاسم إلى الفعل للدلالة على تجدد الاستهزاء من الله بهم، حتى لا يغتر أحد بما يراهم فيه من نعمة ظاهرة، فإن البلاء بهم متلاحق، والجزاء فيهم متنوع، والمحن عليهم مسترسلة،
أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين
Unknown page