Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
[الأنعام: 112]، وفي الحديث:
" الكلب الأسود شيطان "
، وقال جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي
وهن يهوينني إذ كنت شيطانا
وقد أطال علماء العربية وتبعهم المفسرون في بيان اشتقاق هذه الكلمة، وقد ذهبوا فيها مذاهب؛ منهم من عدها من شطن بمعنى بعد، ومنهم من قال هي من شاط بمعنى هاج أو احترق أو بطل، ولا أجد داعيا إلى حشو التفسير بمثل هذه الأمور التي هي أخص بفنون أخرى، وذهب ابن عاشور إلى أن الشيطان اسم جامد شابه في حروفه مادة مشتقة، ودخل في العربية من لغة سابقة، لأنه من الأسماء المتعلقة بالعقائد والأديان، ولم يأت بدليل يقضي بصحة قوله.
واختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا، قيل هم اليهود، وهو مقتضى ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: " كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا إنا على دينكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم - وهم إخوانهم - قالوا إنا معكم على مثل ما أنتم عليه.. الخ " ، وأخرج نحوه البيهقي في الأسماء والصفات، وقيل: هم رؤساؤهم في الكفر، روى ذلك ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ورواه هو وعبد بن حميد عن قتادة، وروي مثله عن ابن عباس والسدي، وعزي إلى الكلبي أنهم شياطين الجن، وهو مشكل، وقيل هم الكهان، وعزاه القرطبي إلى جمع من المفسرين، والأظهر أنهم قادة اليهود، فإنهم الذين ديدنهم تأجيج الفتنة، وتمزيق الشمل، والتشكيك في الحق، وقد كانوا يستغلون المنافقين لهذا الغرض، على أن كثيرا من أهل النفاق كانوا من العنصر اليهودي.
والمراد بمعيتهم في قوله { إنا معكم } مجامعتهم لهم على الكفر بالإسلام، ومناوأة المسلمين، وعدم تأثر نفوسهم بالإيمان، وهو معنى ما روي عن ابن عباس " إنا معكم على مثل ما أنتم عليه ".
وفي مثل هذا الموقف قد تثور خواطر الشكوك في نفوس أولئك الشياطين؛ لما يعرفونه عن أهل النفاق من التملق للمسلمين وإبداعهم في مجاملتهم، ومحاولة التنصل أمامهم من كل العقائد المغايرة للاسلام، وقد تؤدي هذه الشكوك إلى مساءلتهم؛ ما بالكم تتملقون لدى المسلمين وتتوددون إليهم بالكلمات الطيبة والعبارات المليئة بالتقدير والاحترام؟ فيدفع المنافقون عن أنفسهم التهم، ويتنصلون إلى شياطينهم بقولهم { إنما نحن مستهزئون } ليستأصلوا منهم الشك، وليغرسوا في أنفسهم الثقة بهم والطمأنينة إليهم، أي إنما نأتي الذي نأتيه مع المؤمنين استخفافا بهم وسخرية منهم.
ويبحث في وجه تأكيدهم لخطاب الشياطين دون خطاب المؤمنين، مع أن المتبادر أنهم أحوج إلى التأكيد في خطاب أولي الإيمان ليدرأوا عن أنفسهم تهمة النفاق، وأجيب عنه بجوابين:
Unknown page