ولكن النفي عاد إلى الشيئين: إلى الاستغاثة به بعد الموت، وإلى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، فكيف إذا اجتمعا جميعًا؟ فإن من الناس من يستغيث بالموتى من الأنبياء والصالحين، ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله -تعالى-، فهذه الجمل الثلاث ملخص كلامه، وليس فيما ذكره ما يدل على مورد النزاع، ولا ما يناقض جواب المجيب، والحمد لله رب العالمين.
فعلم أن منازعيه لم يخصوا الملائكة والرسول بنفي يفهم منه طرح رتبتهم، وعدم صلاحيتهم للأسباب.
وأما قوله: (ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسل، وأجمع السلف والخلف على وجوب تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال والأفعال).
فيقال: هذا حق، لكنه كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "كلمة حق أريد بها باطل" (١)، وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء وأمواتًا فقد آذاهم واعتدى عليهم؛ وهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله.
بل من سألهم ما لا يريدون فعله حتى فعلوا ما يكرهون فهو مستحق للذم والمقت.
ومن ابتدع في دينهم ما لم يأذن به الله؛ [وما] (٢) يخالف ما جاؤوا به؛ لزم أن يكون دينهم ناقصًا، وأنهم أتوا بالباطل، وهذا مناقض بلا ريب لما يجب من الإيمان بهم وتعزيرهم وتوقيرهم.
ومن خالف ما جاؤوا به من توحيد الله وإفراده بالدعاء؛ فهو من أعظم المخالفين لهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، فإن أعظم ما دعوا إليه التوحيد، فالمخالف له من أعظم الناس مخالفة لهم.
وقد بيّنا في "الصارم المسلول" (٣) أن التوحيد والإيمان بالرسل
(١) أخرجه مسلم في كتاب (الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج) ٢/ ٧٤٩ رقم ١٠٦٦ وأوله: عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن الحرورية لما خرجت، وهو مع علي بن أبي طالب ﵁ قالوا: لا حكم إلا حكم الله. قال علي: كلمه ... الحديث.
(٢) كذا في (ف) و(د) و(ح) وفي الأصل (ومن).
(٣) انظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٤٠.