وإنَّما يتمُّ ذلك بأمرين:
أحدهما: أنْ يكونَ العملُ في ظاهره على موافقَةِ السُّنَّةِ، وهذا هو الذي تضمَّنه حديثُ عائشة: "مَنْ أحدَثَ في أمرنا ما ليس منه، فهو رَدٌّ".
والثاني أن يكونَ العملُ في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله ﷿، كما تضمَّنه حديث عمر: "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ".
وقال الفضيلُ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال: أخلصُه (^١) وأصولُه. وقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتَّى يكون خالصًا صوابًا، قال: والخالصُ إذا كان لله ﷿، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّة.
وقد دلّ على هذا الَّذي قاله الفضيلُ قولُ الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإِرادات، ولم يتفاضَلُوا بالصَّوم والصَّلاة.
وقولُه ﷺ: "فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسوله، فهجرتُهُ إلى الله ورسولهِ، ومَنْ كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأة ينكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه".
لما ذكر ﷺ أن الأعمالَ بحسبِ النِّيَّاتِ، وأنَّ حظَّ العاملِ من عمله نيَّتُه مِنْ خيرٍ أو شرٍّ، وهاتانِ كلمتانِ جامِعتانِ، وقاعِدَتانِ كلِّيَّتانِ، لا يخرُجُ عنهما شيءٌ، ذكر بعدَ ذلك مثالًا من أمثال الأعمال الَّتي صُورتُها واحدةٌ، ويختَلِفُ صلاحُها وفسادُها باختلافِ النِّيَّاتِ، وكأنَّه يقول: سائرُ الأعمالِ على حَذوِ هذا المثال.
وأصلُ الهجرة: هِجرانُ بلدِ الشِّرك، والانتقالُ منه إلى دارِ الإِسلام، كما
(^١) انظر: "تفسير البغوي" ٤/ ٣٦٩.