374

Jāmiʿ al-Anwār fī manāqib al-akhyār

جامع الأنوار في مناقب الأخيار

============================================================

الرحمن الرحيم، سلام عليك، أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأساله عز وجل أن يتم ما بنا وبكم من نعمة وأن يرزقنا وإياكم الشكر على إحسانه، وأن يحيينا وإياكم ويميتنا واياكم على الإسلام، ففيه أن سلم لنا ولكم خلف من كل تلف، وعوض من كل رزية، وأوصيك يا علي بتقوى الله عز وجل ولزوم أمره، والتمسك بكتابه، واتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان، وسقلوا لنا السبيل، فاجعلهم نصب عينيك، واكثر عرض حالاتهم عليك فالأنس بهم بالخلاء يغنيك عن مشاهدة الملأ، ال وبعزيك في البلاء، تمثل حالاتهم كأنك تشاهدهم، فجالسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفق من مجالسة الموتى الذين ينظرون في عيوب الناس، ويتبعون عوراتهم، واعلمعلمك الله الخير وجعلك من آهلهأن اكثر عمرك فيما أرى قد اتقضى، ومن ترضى حاله قد مضى، وأنت لاحق بهم ومطلوب وأن لك ربأ قادرا وأنت أسير بين يديه، وكل الخلاثق في كبريائه صغير، وجميعهم إليه فقير، فلا يشغلك كثرة من يحيط بك، وتضرع اليه تضرع ذليل إلى عزيز، وفقير إلى غني، وضعيف إلى قوي، وأسير لا يجد منه ملجأ ولا عنه محيصا، مقر بخطاياه خائف لما قدمت يداه، لا تقطع الرجاء ولا تدع الدعاء، ولا تأمن من الفقر والبلاء، فلعله إذا رآك كذلك عطف عليك بعطفه وفضله، وأمدك بمعونته، وبلغ بك ما تؤمله من عفوه ورحمته، فأفرغ إلى الله تعالى نوائيك، واستعنه على ما ضعفت فيه من قوتك، فإنك إذا فعلت ذلك قربك ووجدته أسرع إليك من أبويك، وأقرب إليك من نفسك، وبالله التوفيق، وإياه اسأل خيرا المواهب لنا ولك، واعلم يا علي أن من ابتلى بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليلة، فجبرها الله لنا ولك بالخضوع والاستكانة والذل لعظمته، وكفانا وإياك فتنتها وسوء عاقبتها، فإنه تولى ذلك من أوليائه، ومن آراد توفيقه، ارجع يا علي إلى أقرب الأمرين إلى رضا ربك، ولا ترجع إلى محمدة أهل زمانك ولا ذمهم قانه من كان يتقي ذلك قد مات، إنما آنت في محل الموتى ومقابر أحياء ماتوا عن الآخرة ودرست عن طريقها آثارهم ، فبيوت أهل زمانك قبور، لا يستضاء فيها بنور الله، ولا يستعمل كتابه إلى من عصمه

Page 374