266
غزوة بدر الكبرى
في هذا اليوم، وهو يوم بدر خرج النبي ﵊ من المدينة يريد عيرًا لقريش، يعني: حمولة جاءت من الشام إلى مكة، يريد أن يأخذها ﵊؛ لأن قريشًا هي التي اعتدت عليه، فلا يقول قائل: كيف يخرج يأخذ أموال الناس؛ لأن أموال قريش غير محترمة بالنسبة للرسول ﵊ وأصحابه؛ حيث إنهم حرب للرسول ﵊ وأصحابه، والحربي دمه غير محترم، وماله غير محترم، وهم الذين أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم.
فعلم كبير العير بخروج النبي ﷺ إليهم وهو أبو سفيان، وكان ذلك اليوم مشركًا، فأرسل إلى أهل مكة يستنجدهم ويستصرخهم يقول: أنقذوا عيركم فخرجوا، ولكنهم والعياذ بالله خرجوا أشَرًَاَ وبطرًا ورئاء الناس، وخرجوا بكبرائهم لِمَا أراد الله ﷿، خرجوا بكبرائهم ورؤسائهم، يريدون النبي ﷺ، وجمع الله بينهم وبين رسوله ﷺ على غير ميعاد.
فالتقوا في بدر، وكانوا ما بين (١٩٠٠)، والنبي ﷺ وأصحابه (٣٠٠) رجل وبضعة عشر رجلًا فقط، ومع ذلك ليس معهم إلا سبعون بعيرًا وفرسان فقط؛ ولكن الله ﷾ نصرهم على عدوهم.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢] الملائكة تثبت المؤمنين: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢] المؤمنون تثبيت، وهؤلاء رعب، والتثبيت يقتضي الثبات والمقاومة، والرعب يقتضي الخوف والهرب: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] يعني: لا تأتوا من أسفل، من فوق: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] قال العلماء: يعني: كل البدن؛ حتى البنان الذي هو أطراف البدن يُضرب من قبل الملائكة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:١٣] .
فانتصر المسلمون ولله الحمد، وقتلوا من قريش (٧٠) رجلًا، وأسروا (٧٠) رجلًا، قتلوا كبراءهم؛ أبا جهل، وغيره، حتى إنهم صاروا حول قُلُب بدر جثثًا مضى عليها الزمن، وانصهرت من الشمس، ووَرمت، وجيَّفت، فسُحب منهم (٢٤) رجلًا من أشراف قريش وأُلقوا في القَلِيب.
ثم إن النبي ﵊ أقام ثلاثة أيام في مكانه؛ لأن هذه من عادته ﵊ أنه إذا ظهر على قوم أقام في عرصتهم ثلاثة أيام، ثم ركب راحلته ووقف على القَلِيب، وجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يكلمهم، يقول: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقًا -الله أكبر! - قالوا: يا رسول الله! كيف تكلمهم وهم جيَف؟! قال: ما أنتم بأسْمَعَ لِمَا أقول منهم) يعني: أنهم يسمعون أكثر منكم، يوبخهم ﵊، ويا حسرتهم والعياذ بالله على هذا التوبيخ! ثم رجع النبي ﵊ غانمًا معه الأسرى.

14 / 3